
محمد اليوبي
تنفيذا للتعليمات الملكية، خصصت الحكومة غلافا ماليا أوليا بمبلغ 20 مليار درهم، لإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، المرتكزة على العدالة المجالية والاجتماعية، والرامية إلى ضمان ولوج كل مواطنة ومواطن على قدم المساواة إلى ثمار التنمية.
وحسب وثائق مشروع قانون المالية، المعروض على أنظار لجنة المالية بمجلس النواب، فقد تم برسم سنة 2026 إعداد برنامج أولوي وعقود أهداف واضحة وقابلة للقياس تحدد العمليات التي يجب تنفيذها لتسريع تنزيل البرنامج وتحقيق أثره المباشر. ويتعلق الأمر بعمليات ذات أولوية تخص بالأساس المناطق القروية الهشة والمناطق شبه الحضرية، والتي يمكن إنجازها في ظرف وجيز.
ويهدف هذا البرنامج إلى تسريع تنزيل عدد من الإجراءات الاستعجالية، ذات الأثر الاجتماعي والترابي المهم، الذي يمكن من تحسين الخدمات الأساسية (التعليم والصحة والماء)، وتقليص الفوارق الترابية وتعزيز صمود المناطق الهشة (شبه الحضرية، القروية، الجبلية، الواحات)، بالإضافة إلى تحفيز التشغيل المحلي.
وأفادت الوثائق بأن الاستثمارات العمومية عرفت، خلال السنوات الأخيرة، تطورا ملحوظا، حيث انتقلت من 182 مليار درهم سنة 2020 إلى 340 مليار درهم سنة 2025. وساهمت هذه الجهود في تمكين المملكة من بنيات مهيكلة كبرى بمعايير دولية، عززت من جاذبيتها وتنافسيتها.
وبالرغم من الإنجازات الملحوظة التي تم تحقيقها، سيما من خلال عدة برامج، تظل الاحتياجات المرتبطة بالبنيات التحتية الأساسية، على مستوى عدة مجالات ترابية مهمة. وهو ما يشكل تحديا أساسيا يتمثل في ضرورة الحرص، بشكل استباقي، على أن يكون للاستثمارات العمومية أثر ملموس وقابل للقياس في ما يتعلق بخلق فرص الشغل وبتحسين ظروف عيش المواطنين.
ويهدف الجيل الجديد من هذه البرامج إلى ترسيخ المكتسبات وتسريع وتيرة التحولات الجارية، والاستجابة بشكل دقيق وتشاركي للتحديات الجديدة، وهو ما يترجم على أرض الواقع الاختيار الاستراتيجي للجهوية المتقدمة.
وترتكز المحاور ذات الأولوية المكونة لبرامج التنمية الترابية المندمجة وفقا للتوجيهات الملكية، على أربعة محاور، يتجلى المحور الأول في دعم التشغيل، ويتعلق الأمر بتحديد المشاريع والعمليات التي يتعين إنجازها، من خلال تثمين الإمكانات والمؤهلات الاقتصادية والجهوية وخصوصيات كل مجال ترابي، بما يضمن تنمية الأنشطة الاقتصادية وخلق فرص الشغل في مختلف القطاعات الإنتاجية.
ويتعلق المحور الثاني بتعزيز الخدمات الاجتماعية الأساسية، خاصة في مجالي التربية والصحة، ويهدف هذا المحور إلى سد الخصاص المسجل في هذين المجالين كما ونوعا، بغية تحسين المؤشرات الاجتماعية بشكل ملموس، أما المحور الثالث فيتعلق باعتماد تدابير استباقية مستدامة للموارد المائية، من خلال إعطاء الأولوية لتلبية الحاجيات من الماء الصالح للشرب، وتعزيز التدابير الرامية إلى ترشيد استهلاكه والرفع من نجاعة استعماله، والتخفيف من حدة الإجهاد المائي الذي تعرفه البلاد.
ويتجلى المحور الرابع في التأهيل الترابي المندمج، من خلال تحديد مشاريع التأهيل الترابي المندمج، في انسجام تام مع الأوراش الكبرى الجارية على الصعيد الوطني، وتحسين ظروف عيش الساكنة في بعض المناطق، خصوصا في الوسط القروي، والتي لا تزال تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، بسبب النقص في البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية، وإيلاء عناية خاصة للمناطق الجبلية والواحات، مع استحضار خصوصياتها وطبيعة حاجياتها، والتفعيل الأمثل لرافعات التنمية المستدامة على مستوى الساحل الوطني، وتدبير التوسع الحضري وتحسين ولوج سكان المراكز الناشئة إلى خدمات القرب.
وقامت الحكومة باتخاذ مجموعة من الإجراءات لإطلاق مسار إعداد هذه البرامج، بتنسيق مع مختلف المتدخلين على الصعيد الترابي، وذلك من خلال إعداد دورية موجهة إلى الولاة والعمال، بتاريخ 15 غشت 2025، لإطلاق مسار إعداد هذه البرامج بشكل رسمي، وتروم التذكير بالتوجيهات الملكية السامية التي تحدد الأولويات والإجراءات الواجب اتخاذها، والضمانات الأساسية لإنجاح هذا الورش منذ انطلاقه إلى غاية تنفيذه، وشروع الولاة والعمال، بتنسيق مع كافة الفاعلين الترابيين المعنيين، في أشغال إعداد البرامج على المستوى الترابي، من خلال تعبئة وتحسيس جميع المتدخلين بالمنهجية المعتمدة والرهانات المرتبطة بإعداد وتنفيذ هذه البرامج.
ومن بين الإجراءات المتخذة إعداد دليل منهجي يحدد المراحل والآليات والإجراءات الواجب اتباعها لإعداد البرامج، وذلك لضمان مقاربة تشاركية مندمجة وفعالة تتماشى والتوجيهات الملكية السامية، وإحداث لجان قيادة جهوية وإقليمية مكلفة بتتبع مسار إعداد وتنفيذ هذه البرامج، وإحداث فرق عمل على مستوى كل عمالة وإقليم، وإعداد مخطط عمل وجدول زمني للتنفيذ، وإطلاق مرحلة التشخيص الترابي المعمق لجمع المعطيات ذات الصلة والتحليل الموضوعي الدقيق، المتعدد الأبعاد والمحين لوضعية المجال الترابي (المؤهلات والإكراهات والفوارق والديناميات المحلية والمشاريع المنجزة والتي هي في طور الإنجاز والحاجيات المعبر عنها…).
ويتم حاليا العمل على إعداد هذه البرامج، وذلك بإجراء دراسة وتحليل نتائج التشخيص الترابي لوضعية التنمية على مستوى كل عمالة أو إقليم، استنادا إلى محاور البرامج ذات الأولوية (التشغيل، الخدمات الاجتماعية الأساسية، التدبير المستدام للموارد المائية والتأهيل الترابي المندمج)، وبعد ذلك سيتم إعداد خريطة الحاجيات ذات الأولوية.
ويتعلق الأمر بتحديد الحاجيات ذات الأولوية للسكان بالاستناد إلى مؤشرات قابلة للقياس وكذا الخصوصيات المحلية المنبثقة عن عمليات التشخيص التي تم إنجازها، مع إيلاء عناية خاصة للمناطق القروية التي تعاني من الفقر والهشاشة، ثم تحديد المشاريع المقترحة المكونة للبرنامج، مع إعطاء الأولوية للمشاريع التي تتماشى والتوجهات الاستراتيجية للتنمية الترابية والحاجيات ذات الأولوية للسكان.





