
من طنجة كانت البداية؛ بداية حياة مليئة بالسفر والترحال، أخذتني على مدى قرابة ربع قرن من الزمن إلى مختلف بقاع العالم. تنقلت بين تضاريس وثقافات متعددة، وعشت بين شعوب كثيرة، تعلمت منهم عاداتهم وتقاليدهم وطرق عيشهم، ومن خلالهم تعرفت أكثر على نفسي، وأحببت أكثر خصوصيتي وماهية بلدي. تعلمت أن الاحترام هو الأساس، وأن حب التعلم والانفتاح على الآخر هو المفتاح، وهو ما يقوي هويتنا وذواتنا.
يسألني الكثيرون عن هذا الشغف بالسفر والترحال، فأجيب بأنه ربما موهبة اكتشفتها وصقلتها ووضعتها في قالب يليق بشخصيتي. فالسفر، مثله مثل أي فن من الفنون السبعة، يتطلب موهبة، ويقوم على الخيال والتصوير والرمز، ويتطلب استعمال كل الحواس: الأصوات، واللغات، والمشاعر. هو تنقل إنساني يعاش بطريقة مختلفة من شخص لآخر.
طنجة، المدينة التي أثرت في العديد من الكتاب والفلاسفة والشعراء والسينمائيين والرسامين، أثرت في من جانبين، أولا باعتبارها المنفذ البحري الأول والوحيد الذي كنت أستعمله، وثانيا لأنها ساهمت في تكثيف رغبتي في السفر منذ الصغر. خلال العطلة الصيفية، كان مكاني المفضل في طنجة هو ما يسمى اليوم بساحة إسبانيا، حيث كانت بناية المصرفي الألماني ادولف رينشهاوسن تهيمن على الساحة.
في زمن كان فيه ميناء طنجة المدينة هو الوحيد، قبل بناء الميناء المتوسطي، كان هذا الميناء مختلفا عما هو عليه اليوم. كان مجمعا يضم ميناء للمسافرين، وآخر للصيد المهني، إلى جانب شركات النسيج وتعليب السمك، وفي مدخله محطة للقطار، وأخرى للحافلات وسيارات الأجرة، ومفوضية مركزية للشرطة.
أما الساحة، فكنت أحب أن أجلس إلى إحدى طاولات مقاهيها، أحتسي كوب شاي شمالي أو أحد المشروبات الغازية الباردة. كانت ساحة تعج بالمقاهي والمطاعم ووكالات الأسفار ونقاط بيع التذاكر، ساحة لا تنام ولا تتوقف فيها الحركة. كانت كل باخرة تنزل ركابا مختلفين، ويمكن التعرف على بلدان إقامتهم من خلال طريقة لباسهم واللغة التي يستعملونها.
في ذلك الوقت، لم تكن هناك وحدة في الملبس كما هو الحال اليوم، إذ لم يكن التشابه السائد الآن بين العلامات التجارية الأصلية والمزيفة موجودا. كان الاختلاف واضحا، حيث كانت الدول المتقدمة تنفرد بالجديد، بينما كان العالم الآخر ينتظر وصول ما أصبح قديما في الدول المصنعة.
كانت ساحة رينشهاوسن قبلة كل المسافرين، لقربها من أهم النقاط السياحية في المدينة، من المدينة القديمة عبر باب دار الدباغ ودروج ميريكان، إلى المفوضية الأمريكية، ومسرح سيرفانتس الذي تحكي الرواية الشفوية أنه كان هدية زواج من رجل الأعمال الإسباني مانويل بينيا لزوجته إيسبيرنسا أورليانا، وسور المعكازين الذي تكثر أسباب أصل تسميته، والكورنيش الذي عرف تحولات عميقة خلال العشرين سنة الأخيرة. وأنا صغير السن، كانت هذه الساحة تتحول في فصل الصيف إلى ما يشبه مهرجانا من الفرح والعناق بين المسافرين وعائلاتهم القادمة لاستقبالهم، والحزن والدموع عند لحظات المغادرة. كانت كل اللغات تسمع هنا، وكل أنواع الأقمشة والألوان، وكل أجناس العالم تلتقي في هذا المكان.
كنت أقول في نفسي عندما أكبر أريد أن أسافر لأرى وأفهم سر هذا الاختلاف والتنوع، والبيئات التي أنتجته وحافظت عليه. فمن رأى ليس كمن سمع، وأحسن هدية يمكن للمسافر أن يجلبها معه هي رؤية أكثر وضوحا حول بلد ما، وفهم أعمق لخصوصيات كل ثقافة لاستيعاب معناها والاستمتاع بجمالياتها. وهكذا كانت البداية، ولا تزال مستمرة بنفس الرغبة والحماس.





