
يسرا طارق
تفصلنا أيام قليلة عن الامتحانات الاشهادية، التي يعيشها التلاميذ والطلاب المعنيون بكثير من التوتر والقلق، وتعيشها الأسر بالمشاعر نفسها. يفصل الامتحان في جهود سنة كاملة من الجد والعمل والسهر، قد تُكَلَّلُ بالنجاح أو تنتهي بالفشل. نظامنا التعليمي، وبخلاف أنظمة تعليمية ناجحة جدا، يبجل الامتحان ويعطيه الأهمية المركزية في تقويم التلميذ، ورغم أن وزارة التربية والتعليم عملت، ومنذ سنوات، على التقليل من مركزية الامتحان الاشهادي، من خلال إدخال نقط المراقبة المستمرة، وبنسبة معينة، في إخراج النتيجة النهائية، فإن نقط امتحان آخر السنة تبقى حاسمة، وهي ما يحدد مصير التلميذ، لهذا يعمل بكل ما يملك من جهد أو مكر للحصول على نقط تؤمن له النجاح. تفصلنا أيام عن رؤية تلك المشاهد المخزية لتلاميذ يتحدثون، بكل صفاقة، عن منعهم من الغش ويحتجون على ذلك. أيام وسنرى بعض الأمهات الغاضبات يطالبن بضرورة دمقرطة الغش، ومنح الجميع، وبعدالة، فرصا متساوية للاستفادة منه. أيام وسنسمع عن اعتداءات تعرض لها أساتذة في الشارع، وذنبهم الوحيد أنهم حرسوا التلاميذ بدون تساهل أو غض طرف. أيام وسنرى من يشكك في النتائج وتفاوتها من مؤسسة لمؤسسة، مفسرا ذلك بالتشدد في حراسة البعض والتساهل مع البعض الآخر. أيام وسنخاف مجددا على مستقبل تعليمنا، وعلى سلامة مجتمعنا وعلى متانة أخلاقنا. أيام وسنفكر مرة أخرى في مصداقية الشواهد المحصل عليها في مؤسساتنا التعليمية، بما أنها تحاط بوشاح من التتفيه والتشكيك. كيف وصلنا إلى هذا؟ ولماذا صار الغش، الذي كان وصمة عار تلحق بمن يضبط وهو يمارسه، إلى تفصيل عادي في العملية التعليمية، بل إلى مبعث فخر لمن مارسه وحقق من خلاله نتيجة مبهرة؟
لقد تغير المجتمع كثيرا، وضاعت في صيرورة التحولات قيم كثيرة، كانت تجعل من المدرسة المغربية حقلا لاختبار قيم الجهد والاستحقاق والإنصاف. كانت المدرسة المغربية، في زمن الحركة الوطنية وفي السنوات الأولى للاستقلال، هي التي تغرس القيم الإيجابية، وهي التي توزعها على المجتمع.
تنبغي إعادة التفكير في بناء علاقة صحية للتلميذ، ومنذ أول سنة يخطوها في مسلسل طويل ومرهق مع الامتحان. ينبغي تحريره من ضغطه وكل ما يحيط به من توتر وقلق، فالحياة برمتها امتحان كبير، لا ينجح فيه من حصلوا على نقط عالية، وإنما من اتخذ قرارات صائبة، وعمل بجد واستمع لعقله وقلبه في لحظات فاصلة من حياته.
لا تنتهي الحياة حين نفشل، وحين لا نحصل على نقط عالية، وقد تنتهي حين نفتقد للإرادة والعزم وحس المقاومة، وعدم تضييع الفرص التي تمنحها الحياة لكل واحد منا. علينا أن نُحبب التلميذ في المدرسة، وأن لا نربط مصيره وقيمته في الحياة ونجاحه بالنقط العالية التي سيحصل عليها. علينا أن لا نردد أمامه: «عند الامتحان يعز المرء أو يهان»، فالتاريخ يخبرنا بأن تلاميذ «فاشلين» بأعراف وقوانين المدرسة، نجحوا في العلم والحياة، وصارت البشرية تدين لهم. الامتحان محطة هامة، لكن ما أكثر المحطات الهامة في الحياة..





