حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

جدار برلين

في زاويةٍ رمادية من لندن القرن التاسع عشر، يجلس كارل ماركس، شاحب الوجه، ينفث دخان آخر سيجارة جاد بها عليه «عشيره» إنجلز بعد أن ضاقت به سبل العيش، يتأمل بقلق عميق ما ستؤول إليه أفكاره بعد قرن ونصف؛ يتخيل، بين سحابة وأخرى، رفاقًا بعيدين في جغرافيا المغرب يرفعون شعاراته نفسها، لا لتحرير العمال، بل لشراء فيلات فاخرة من مالٍ عمومي يُعاد تدويره عبر قنوات حزبية أنيقة، كأن الثورة صارت مشروعًا عقاريًا لا أكثر.

هكذا تبدأ الحكاية: فكرة ولدت من رحم البؤس الصناعي في أوروبا، حيث كانت الطبقة العاملة تعيش في ظروف أقرب إلى العبودية، فجاءت الشيوعية والاشتراكية بوعدٍ كبير، وعدٌ بدا بسيطًا في لغته، معقدًا في تطبيقه: العدالة الاجتماعية، توزيع الثروة، إنهاء احتكار وسائل الإنتاج وإعادة الاعتبار للإنسان كقيمة لا كأداة. لم يكن ماركس نبيًا، لكنه كان، على الأقل، حالمًا بقدر كافٍ ليصدق أن التاريخ يمكن أن ينحاز للفقراء.

غير أن التاريخ، كما نعلم، لا ينحاز لأحد، بل يميل حيث تميل القوة. ومع انتقال هذه الأفكار من سياقها الأوروبي إلى العالم العربي، حدث أول تحول صامت: لم تعد الاشتراكية خطابًا تحليليًا لواقع صناعي، بل أصبحت هوية سياسية جاهزة، تُلبس كما تُلبس البدلة الرسمية. ومع غياب الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجت تلك الأفكار، تحولت من أدوات تفسير إلى شعارات تعبئة، ومن نقد للرأسمالية إلى مجرد معارضة للسلطة القائمة، أيًا كانت طبيعتها.

في المغرب، كما في غيره، دخل اليسار مرحلة النضال، وكان لذلك بريقه الأخلاقي والسياسي. رجال ونساء دفعوا ثمنًا باهظًا من حريتهم وأحيانًا من حياتهم.. لكن المفارقة أن هذا الرصيد النضالي نفسه تحول، مع الزمن، إلى رأسمال رمزي يُستثمر داخل الأحزاب، لا لتجديدها بل لاحتكارها. وهنا تبدأ المرحلة الثانية من التحول: من اليسار كحركة تغيير إلى اليسار كحارس لذاكرة التغيير.

شيئًا فشيئًا، بدأت الأحزاب الاشتراكية تفقد علاقتها بالطبقات التي ادعت تمثيلها. لم يعد العامل أو الفلاح أو الموظف البسيط هو مركز الخطاب، بل أصبح مجرد خلفية رمزية تُستدعى في المناسبات الانتخابية. في المقابل، صعدت داخل هذه الأحزاب نخب جديدة، ليست بالضرورة أكثر كفاءة، لكنها أكثر قدرة على التكيف مع منطق السلطة والمال. وهكذا، دون إعلان رسمي، انتقل اليسار من نقد الامتيازات إلى التعايش معها، بل إلى إنتاجها.

التحول الأخطر لم يكن في الخطاب، بل في البنية التنظيمية. الأحزاب التي كانت تتغنى بالديمقراطية الداخلية أصبحت، مع الوقت، أشبه بمقاولات عائلية. الأسماء نفسها تتكرر، الوجوه ذاتها تتوارث المواقع، وكأن الحزب إرث عائلي لا فضاء سياسي. التزكيات لم تعد تُمنح بناءً على الكفاءة أو الالتزام، بل على القدرة المالية، أو ما يُعرف في التقاليد السياسية المغربية العريقة بـ«مول الشكارة». وهكذا، يصبح المناضل الحقيقي عبئًا، بينما يُكافأ المستثمر السياسي لأنه قادر على تمويل الحملة، وربما تمويل الحزب نفسه.

في هذه اللحظة، يفقد اليسار مبرر وجوده.. لأنه حين يصبح شبيهًا بما كان ينتقده، يفقد حتى حق النقد. كيف لحزب يتحدث عن العدالة الاجتماعية أن يزكي مرشحًا يملك ثروة ضخمة دون مساءلة؟ كيف لمناضل يتحدث عن تكافؤ الفرص أن يقبل بمنطق التوريث داخل هياكله؟ إنها ليست فقط مفارقة، بل نوع من الانفصام السياسي، حيث يعيش الخطاب في عالم والممارسة في عالم آخر.

قد يقول قائل إن هذا التحول طبيعي، وإن السياسة، في النهاية، هي فن الممكن.. لكن المشكلة أن الممكن هنا لم يعد إصلاحًا تدريجيًا، بل انزلاقًا نحو نقيض الفكرة الأصلية. لم تعد الاشتراكية مشروعًا لتغيير المجتمع، بل وسيلة للاندماج في بنية السلطة، بشروطها لا بشروطها هي. وهكذا، يتحول المناضل إلى منتخب، والمنتخب إلى رجل أعمال ورجل الأعمال إلى زعيم حزبي، في دورة تبدو محكمة، لكنها فارغة من أي مضمون إيديولوجي.

المفارقة الأكثر سخرية أن الخطاب لم يتغير كثيرًا. لا تزال الكلمات نفسها تُستخدم: العدالة، المساواة، الكرامة. لكنها أصبحت كلمات مستهلكة، تُقال دون أن تُقصد، وتُرفع كشعارات دون أن تُترجم إلى سياسات. كأن اللغة نفسها أصبحت ضحية، تُستعمل لتغطية واقع لا علاقة له بها.

ربما لم يكن ماركس مخطئًا حين ربط بين البنية الاقتصادية والبنية الفكرية. لكن ما لم يتوقعه هو أن تتحول أفكاره نفسها إلى جزء من هذه البنية التي كان ينتقدها. وربما لو عاد اليوم، وجلس في مكتب سياسي لأحد الأحزاب الاشتراكية في العالم العربي، لاكتشف أن الثورة لم تُهزم، بل تمت خصخصتها، وتحويلها إلى مشروع مربح، بعائد سياسي مضمون وخسائر أخلاقية مؤجلة. ينفث ماركس دخان سيݣاره الكوبي الرفيع، بعد أن فاز بتزكية حزب الاتحاد الشيوعي للشركات الشعبية، يتأمل المارة من خلف زجاج مكتبه الفاخر بحي الرياض، ويردد قول أحد الصالحين: إذا كانت الشيوعية هي موجة المستقبل، فدعهم يأتون إلى برلين.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى