
الأخبار
أكد مختصون في قطاع الصحة، من خلال آراء استقتها “الأخبار”، أن القرار الأخير، الذي اتخذته اللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي، التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، بشأن إحداث كليتين للطب والصيدلة وطب الأسنان بكل من القنيطرة وسطات، سيكون له تأثير “سلبي” على جودة تكوين الطلبة الأطباء، بحكم أن الإشكال الأساسي الذي كان موضوع مجموعة من النقاشات بين المهتمين والفاعلين في القطاع، خاصة بعد مضاعفة المقاعد البيداغوجية، على مستوى كليات الطب والصيدلة وطب الاسنان بربوع المملكة، رافقه ضغط كبير على تلك المؤسسات الجامعية، ما جعل التكوين الأكاديمي، في هذا التخصص، يعرف مجموعة من التراجعات، التي ستؤثر بشكل مباشر جودة الخدمات الصحية بالمؤسسات الاستشفائية بالقطاعين العام والخاص.
خصوصية تكوين الأطباء
أوضح المختصون في القطاع، أن وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وخلال جميع الأجوبة المقدمة تحت قبة البرلمان بمجلسيه النواب والمستشارين، أغفل عن قصد أو بدونه، بأن تكوين الأطباء له خصوصيته، التي ينبغي أن تستحضر بالدرجة الأساس التكوين التطبيقي، وليس بالضرورة استحضار هاجس الرفع من عدد الأطباء، وتقليص سنوات التكوين من سبع سنوات إلى ست سنوات، مع العديد من علامات الاستفهام التي يطرحها خبراء قطاع الصحة، حول تأثير حذف السنة السابعة من التكوين على مستوى اكتساب مجموعة من المهارات والممارسات الميدانية، التي شكلت طيلة سنوات، نقطة جذب لعدد من الكفاءات الطبية، من طرف دول أوربا والخليج، في حين أن حرمان طلبة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، من سنة إضافية في التكوين التطبيقي، كانت خلفياته غير مفهومة، وجرى تفسيرها بالنسبة للكثير من المهتمين، بكونه قرار يخدم اجندات المصحات الخاصة.
وأضافت مصادر “الأخبار”، أن التكوين الطبي بالمغرب، وخلال السنوات الأخيرة، تميز بالرفع من عدد الخريجين في تخصصات الطب والصيدلة وطب الأسنان، حيث جرى إحداث مجموعة من الكليات ذات الصلة، سواء العمومية أو الخصوصية، مما جعل المغرب يقارب نسبة الاكتفاء الذاتي المطلوبة من حيث عدد الخريجين، الذين كان من الأولى أن تنتبه القطاعات الحكومية المعنية إلى ضرورة ترشيد تدبير الموارد البشرية، وحسن توظيف الأطر الطبية داخل القطاع العمومي بشكل خاص، والعمل على الرفع من جاذبية القطاع العمومي، والانتباه لتجارب بعض الدول، التي أثبتت آلية الرفع من عدد الخريجين، عن محدوديتها و “فشلها” كما وقع بدولة الأردن على سبيل المثال، حيث تم إحداث مجموعة من الكليات في الطب والصيدلة، دون أن يواكب ذلك، ربط التكوين بسوق الشغل، وهو ما يفترض أن ينتبه إله القائمون على تدبير قطاع التعليم العالي بالمغرب، حتى لا نواجه مستقبلا ضعفا في التكوين وعطالة بالنسبة للخريجين.
وفي ذات السياق، كشفت المصادر، أن التكوين الطبي بالمغرب، تترصده مجموعة من النقائص، خاصة ما يتعلق بالشق المرتبط بالتداريب الميدانية، وكذا الشق الخاص بالأساتذة الباحثين، المعنيين بالدرجة الأولى بإنتاج جيل من الأطباء، يستجيب لحاجيات المراكز الاستشفائية بالمملكة، فضلا عن حاجيات القطاع الخاص، وهو ما يفرض أن يتم إيلاء عناية قصوى لفضاءات التدريب بالمستشفيات الجامعية، حيث شكل إجراء مضاعفة عدد الوافدين، ضغطا على مصالح المراكز الاستشفائية، وجعلها غير قادرة على استيعاب العدد المتزايد. كما انتقدت المصادر، توجه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، رفقة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إلى توجيه ” جيوش” الطلبة الأطباء المتدربين، صوب مصالح المؤسسات الاستشفائية الجهوية والإقليمية، التي تفتقر معظمها لأدنى شروط التكوين المطلوبة، وهو المشكل الذي سيرافق إحداث كليتي الطب والصيدلة وطب الاسنان بكل من القنيطرة وسطات، لأن الإقليمين المذكورين يفتقران لميادين تدريب، تضمن تمكين الطلبة الأطباء من تكوين يستجيب للتطلعات.
مضاعفة المناصب قبل البنايات
بالنسبة للإكراه المرتبط بتوفير الأساتذة الباحثين في الطب والصيدلة وطب الأسنان، أوضحت المصادر، أن وزارتي التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، والصحة والحماية الاجتماعية، كان عليهما، الانتباه إلى ضرورة مضاعفة المناصب المالية المطلوبة لهذه الفئة، قبل التفكير في إحداث البنايات والرفع من عدد الوافدين على الكليات المعنية، سيما أن تخصص تكوين الأطباء، يفرض التقيد بمجموعة من الشروط والضوابط البيداغوجية، والتي من أهمها تخصيص أستاذ باحث على الأقل لكل خمسة طلاب، ضمانا لجودة التأطير والتكوين. وفي وقت كان المغاربة ينتظرون توفير الأطباء بالمستشفيات العمومية، وضمان استدامتهم بهذه المرافق الاستشفائية، عمدت الوزارة وفي قرار ” غريب” وبدون أي مقدمات، إلى تقليص مدة العقدة التي تربط الطبيب مع وزارة الصحة، من ثمان سنوات، إلى ثلاث سنوات، وهو الأمر الذي بات بديهيا أنه سيعمق من حدة الأزمة، وسيكون سببا مباشرا في إفراغ المستشفيات العمومية من الكفاءات الطبية، لصالح أرباب المصحات الخاصة، الذين سيقدم لهم الخريجون فوق طابق من ذهب، دون أن يساهموا بدرهم واحد في عملية تكوينهم، بل سيشكل هؤلاء الخريجون، مصدر ربح إضافي واستثمار مهم للقطاع الخاص، سيما أن تزايد عدد ، سيوفر عرضا مهما للمصحات، وفق منطق أكبر منفعة بأقل تكلفة.
وشددت مصادر “الأخبار”، أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، رفقة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وعلى بعد أسابيع من نهاية الولاية الحكومية، فشلت في إصلاح السلك الثالث من الدراسات الطبية، والذي يعتبر من أهم لبنات تكوين الأطباء الاختصاصيين، حيث إنه على الرغم من النقاشات الموسعة التي رافقت اليوم الوطني حول إصلاح السلك الثالث من الدراسات الطبية، الذي أقيم منتصف شهر دجنبر من السنة الماضية (2025)، والذي تميز بحضور وزير الصحة ووزير التعليم العالي، فقد تم تجاهل استدعاء “الفاعلين الرئيسيين” في القطاع، والذين من ضمنهم الأساتذة الباحثون، وتم انتقاء بعض الأسماء لتأثيث المشهد، والتركيز على عمل ورشات أنيطت بها مهمة إعداد توصيات حسب التخصص الطبي، غير أن هاته الورشات، وعوض أن تسفر عن مقترحات عملية، عرفت خلافات بين مكوناتها، ما ساهم في فشل فعاليات اليوم الوطني حول إصلاح السلك الثالث للدراسات الطبية.





