حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

خُلِقَ ليعترض

هناك فصيلة بشرية نادرة في ظاهرها، منتشرة في حقيقتها، يصعب تصنيفها ضمن خانة المتفائلين أو المتشائمين، لأنها، ببساطة، تتجاوز هذا التقسيم الساذج إلى مستوى أكثر تعقيدًا: إنها فصيلة «المعترضين دائمًا». كائنات لا تحتاج إلى سبب كي تقول «لا»، ولا إلى حجة كي تقلل من شأن «نعم»، تعيش في حالة استعداد دائم لنقض كل فكرة، وتفكيك كل مبادرة وتحويل كل لحظة فرح إلى تمرين في الشك والسخرية.

قد تصادف هذا النموذج في البيت، حيث يتحول إنجازك البسيط إلى مادة للمقارنة القاتلة: «مزيان.. ولكن ولد خالتك جاب عشرة على عشرة». في المدرسة، يتجسد في الأستاذ الذي يرى في كل محاولة إبداعية خروجًا عن النص، وفي كل تميز تهديدًا لسلطته الرمزية. بين الأصدقاء، هو ذلك الذي يبتسم نصف ابتسامة، لا ليشاركك الفرح، بل ليهيئ الأرضية لتعليق بارد يختزل تعبك في «عندك الزهر». أما في السياسة، فالأمر يبلغ ذروته، حيث تتحول المعارضة من وظيفة ديمقراطية نبيلة إلى هواية وجودية قائمة على الرفض من أجل الرفض.

هذا الكائن لا يعارض لأنه يفكر، بل يفكر فقط ليجد ما يعارضه. لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الثغرة، ولا ينشغل بجوهر الفكرة بقدر ما ينشغل بطريقة هدمها. إنه يمارس النقد كما يمارس البعض الرياضة: بشكل يومي، منتظم، وبدون هدف واضح سوى الحفاظ على «لياقته الاعتراضية».

من الناحية النفسية، تُمكن قراءة هذه الظاهرة كآلية دفاعية معقدة. فالشخص، الذي يعجز عن تحقيق إنجاز خاص به، قد يجد في تقزيم إنجازات الآخرين وسيلة لاستعادة توازن داخلي مفقود. الاعتراض هنا ليس موقفًا فكريًا، بل تعويض عن شعور بالنقص. وكلما كان الإنجاز أمامه أكبر، كانت حاجته إلى تصغيره أشد إلحاحًا. إنه لا يحتمل فكرة أن هناك من نجح حيث فشل، فيعيد ترتيب الواقع بطريقة تجعله أقل إيلامًا: «ليس إنجازًا حقيقيًا، ليس مستحقًا، ليس مهمًا».

لكن الخطير في هذه الفصيلة ليس بعدها الفردي فقط، بل تأثيرها الجماعي. حين يتحول الاعتراض إلى ثقافة، يصبح من الصعب إنتاج أي فعل إيجابي. المشاريع تُقتل في مهدها، الأفكار تُجهض قبل أن تكتمل، والحماس يُستبدل بسخرية باردة تقتل أي رغبة في المحاولة. المجتمع، الذي يفرط في إنتاج المعترضين، ينتهي إلى شلل جماعي مغلف ببلاغة نقدية فارغة.

في المجال السياسي، تتجلى هذه الظاهرة بشكل أكثر وضوحًا. هناك من يمارس المعارضة وكأنها غاية في حد ذاتها، لا كوسيلة لتقويم السياسات وتحسينها. يعارض الميزانية دون تقديم بديل، يهاجم الإصلاح دون اقتراح تصور، يندد بكل قرار فقط لأنه لم يصدر عنه. الخطاب هنا لا يُبنى على التحليل، بل على الإثارة، ولا يستهدف الإقناع بقدر ما يسعى إلى تعبئة الغضب. إنها معارضة تستمد شرعيتها من الصوت العالي لا من قوة الحجة.

ويزداد الأمر سوءًا حين يُضاف إلى هذا الميل الاعتراضي أسلوب الشخصنة والتجريح المجاني. بدل مناقشة الفكرة، يتم تفكيك صاحبها. بدل نقد المشروع، يتم الطعن في النوايا. وهنا تتحول الساحة العامة إلى مسرح للعداوات الصغيرة، حيث تختفي القضايا الكبرى خلف ضجيج الاتهامات المتبادلة.

المفارقة أن هؤلاء المعترضين يرون أنفسهم حراسًا للحقيقة، ومدافعين عن المعايير، بينما هم في الواقع يساهمون في إضعافها. فالنقد، حين يفقد توازنه، يتحول من أداة بناء إلى معول هدم. والاعتراض، حين ينفصل عن البديل، يصبح مجرد ضجيج لا يغير شيئًا.

وربما يكون السؤال الأهم: كيف نتعامل مع هذه الفصيلة؟ هل نواجهها بمنطق مضاد، أم نتجاهلها باعتبارها جزءًا من ضوضاء الحياة؟ الجواب ليس بسيطًا، لكن المؤكد أن أول خطوة هي الوعي بها. أن ندرك أن ليس كل نقد نقدًا حقيقيًا، وأن ليس كل اعتراض دليل ذكاء. أحيانًا، يكون أفضل رد على المعترض الدائم هو الاستمرار في الفعل، لأن النجاح، مهما تم تقزيمه، يظل أكثر إزعاجًا من أي رد لفظي.

علينا أن نقتنع بحقيقة مريحة: الإنسان يظل كائنًا معقدًا، قادرًا على البناء والهدم في آن واحد. وبين من يختار أن يكون صانعًا، ومن يصر على دور المعترض الأبدي، تتحدد ملامح المجتمعات، وتتقرر قدرتها على التقدم أو البقاء عالقة في دائرة «لا» التي لا تنتهي.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى