
نعيمة لحروري
ليست المشكلة أن المغرب تغير فجأة، بل إن البعض أصر منذ البداية على رؤيته بما ليس فيه. فحين يُبنى خطاب كامل على تصور مسبق، يصبح الاعتراف بالواقع عبئا، وتتحول الوقائع الملموسة إلى مصدر إرباك. هكذا يمكن فهم العلاقة المتوترة لبعض الجيران مع كل خطوة مغربية ناجحة، لا لأنها مفاجئة، بل لأنها تنسف رواية رُوّج لها طويلا.
في الخطاب الجزائري الرسمي والإعلامي، يُقدَّم المغرب منذ عقود عبر صورة نمطية لم تكن في يوم من الأيام صحيحة. بلد هش، قابل للاهتزاز، يعيش على الهامش. هذه الصورة لم تعكس واقعا بقدر ما عكست رغبة في رؤيته كذلك. فالمغرب، تاريخيا، كان أكثر تماسكا، وأكثر انفتاحا، وأقدر على إدارة توازناته. وحين واصل تقدمه، لم تراجع هذه الرواية، بل ازداد الإصرار عليها. لذلك صار كل نجاح «مؤقتا»، وكل استقرار «مصطنعا»، وكل التفاف شعبي «غامضا»، ليس لأن الواقع تغير فجأة، بل لأن الصورة الأصلية لم تكن يوما صادقة.
المغرب اختار طريقا مختلفا، استقرار سياسي، بناء مؤسساتي، حضور إقليمي محسوب، واشتغال هادئ على المدى الطويل. لم يرفع الشعارات الثورية، ولم يبنِ شرعيته على العداء للغير، بل على فكرة بسيطة: الدولة تُبنى، لا تُدار بالصراخ. هذا الخيار، الذي يفترض أن يكون شأنا داخليا، تحول في نظر الجيران إلى استفزاز.
كل نجاح مغربي يقابله في الجزائر رد فعل شبه آلي: تشكيك، تقليل، ثم هجوم. تنظيم ناجح؟ صدفة. التفاف شعبي؟ تلاعب. اختراق دبلوماسي؟ مؤامرة. حتى فرح المغاربة لا يُترك وشأنه، بل يُفسر بنوايا خفية. هذا الخطاب لا يعكس قوة موقف، بل ارتباكا عميقا أمام واقع لا يمكن إنكاره.
السموم التي ينفثها الإعلام الجزائري ليست موجهة للمغرب فقط، بل للاستهلاك الداخلي بالدرجة الأولى. فحين تعجز السلطة عن تقديم نموذج ناجح لشعبها، يصبح أسهل حل هو شيطنة الجار، وتحويله إلى سبب كل الإخفاقات. المغرب هنا ليس خصما حقيقيا، بل شماعة جاهزة.
ما يربك الجزائر أكثر من أي شيء آخر هو أن المغرب لم يدخل لعبة الاستفزاز. لم يرد بالمثل، ولم يبنِ خطابه على الكراهية. واصل مساره، وترك النتائج تتكلم. وهذا الصمت الواثق أخطر على الخصم من أي رد انفعالي.
كسر المغرب توقعات الجيران، لأنه أثبت أن الاستقرار في المنطقة ممكن دون عسكرة السياسة، وأن الشرعية يمكن أن تُبنى على الإنجاز لا على العداء، وأن الشعب يمكن أن يلتف حول دولته دون خوف أو تعبئة قسرية. هذه الحقائق وحدها كافية لإفشال سردية كاملة بُنيت لعقود.
المفارقة أن المغرب لا يحتاج إلى مهاجمة أحد ليثبت ذاته. يكفيه أن يكون كما هو: بلدا يشتغل، يُراكم، ويُخطئ، ثم يُصلح. أما الجار الذي يعيش على خطاب المؤامرة، فسيظل أسير صور نمطية صنعها بنفسه، ويغضب كلما فشل الواقع في تأكيدها.
في النهاية، المشكلة ليست أن المغرب خارج الصورة النمطية، بل أن بعض الجيران عاجزون عن تقبل حقيقة بسيطة: المغرب لم يكن يوما كما أرادوه، ولن يكون.





