
يونس جنوحي
في الوقت الذي يطغى فيه النقاش حول “ارتفاع” رسوم الدراسة الجامعية بالنسبة للموظفين، لا تزال حجرات الدرس في الفجاج العميقة تفتقر إلى نوافذ تصد برد الشتاء القارس عن أجساد التلاميذ في العالم القروي.
قبل الحديث عن مضامين المقررات الدراسية المخصصة للعالم القروي، يجب أولا الحديث عن تزويد الأقسام بالتدفئة، ولو بالطريقة التقليدية التي يلجأ فيها الأهالي إلى الحطب.
رجال التعليم المُعينون حديثا في الجبال، يُدركون أن دروس “الديداكتيك” التي تلقوها في مراكز التكوين، يجب أن تُؤجل قليلا وتنتظر دورها إلى أن يتلقوا تكوينا ذاتيا في طرق “البقاء على قيد الحياة” أولا، وبعد ذلك بإمكانهم “التفرغ” لمهنة التعليم لما تبقى من أشهر السنة.
يُنتظر في قادم الأيام أن تهوي درجات الحرارة إلى أدنى مستوياتها لما تبقى من أيام السنة، وبحكم التقلبات المناخية فإن فصل الشتاء صار أقسى مما كان عليه قبل أربعين سنة من الآن. ورغم انقطاع المسالك بسبب التساقطات الثلجية، كل عام، إلا أن المآسي لا تزال تتكرر، كما لو أن رؤساء الجماعات ومسؤولي الإدارات المعنية، يعانون من فقدان الذاكرة سنويا.
المفارقة أن النقاش القائم الآن داخل مكونات أسرة التعليم، ينصب أساسا على ضرورة التكوين في برامج المعلوميات المخصصة لإدخال بيانات التلاميذ والأساتذة، والحفاظ على المكتسبات النقابية، علما أن النقاش الحقيقي الذي يجب أن يُفتح، وعلى الفور، يتعلق أولا بالظروف الجوية التي يتعين على آلاف الأساتذة أن يشتغلوا فيها خلال الأيام المقبلة، بل ويُقنعوا العائلات بإرسال أبنائهم إلى حجرات الدرس، في درجات حرارة دون الصفر بكثير، وقبل الثامنة صباحا!
سيزداد العجب إذا علمتم أن أغلب تلاميذ العالم القروي يقطعون ما مُعدله 7 كيلومترات للوصول إلى المدرسة، وهذا يعني أنه يتعين عليهم المشي على الأقدام لأكثر من نصف ساعة، في سبيل الوصول إلى المدرسة. أي أن هؤلاء التلاميذ يخوضون يوميا مغامرات مع الطقس والتضاريس، وحتى ضد “الضواري”، قبل أن يصلوا منهكين إلى أقسام وزارة التربية الوطنية.
ويكون الأستاذ مُطالبا في هذه الحالات، بالحرص على إبقاء التلاميذ منتبهين ويقظين لكي يتابعوا معه الدرس، قبل أن يطلق سراحهم منتصف النهار، ليقطعوا رحلة العودة نحو الدواوير..
هذا الأستاذ الذي يكون مطالبا أيضا بإدخال بيانات التلاميذ في النظام المعلوماتي، يُضطر أيضا إلى تسجيل الملاحظات في الدفتر العجيب، بطريقة بدائية لم تتغير منذ استقلال المغرب. ويبقى مستقبله ومستقبل التلاميذ على المحك ومعرضا لأن تلتهمه أنثى فأر جائعة في أية لحظة.
في زمن الرقمنة والصفقات التي تعقدها الوزارة مع شركات نظم المعلومات وتعميم شبكة الأنترنت، لا يزال النظام الذي تشتغل به الوزارة يحتاج إلى تحديث فوري، بعيدا عن هذه التناقضات الصارخة التي يُطلب فيها من التلميذ والأستاذ التسجيل في منصات رقمية، وفي نفس الوقت يُطلب منه التدوين في “الكناش”، وملئ طلب رسمي للإدارة للحصول على علبتين من “الطباشير”!
هناك دول لم يعد يُذكر فيها الطباشير إلا في دروس علوم الحياة والأرض عندما يشرح الأستاذ للتلاميذ درس الطبقات والعصور. بينما لا يزال الطباشير عندنا من مستلزمات الدراسة، إلى جانب حطب التدفئة الذي يجمعه التلاميذ أولا في طريقهم إلى المدرسة..





