
زينب بنموسى
«علاقة صحية» لا أفهم أبدا ماذا يقصدون بهذا المصطلح. هل يعني أن نستيقظ أنا وأنت صباحا ونأخذ علاقتنا إلى صالة الرياضة، ثم نطعمها الكربوهيدرات والبروتينات؟
أم أن نأخذها إلى الطبيب كل شهر ونلتزم بمواعد التلقيح؟
العلاقة هي فقط علاقة، لا تستطيع أن تكون صحية أو مضرة، أو مصابة بالسرطان.
لا قواعد في الحب ولا “إيتيكيت”، هو السلطان الوحيد الذي لا يستقبلك إلا مجردا من كل ما لديك، لا مال ولا جاه، ولا نسب ولا أخلاق.
ثم أي حب هذا الذي يرتدي رداء اللطف، ويتدثر بالقواعد، ويتحدث بحكمة، ويواجه الصعاب بتجلد وصبر.
الحب الحقيقي ليس إلا نوعا من أنواع الكراهية، أو على الأقل يحمل جزءا كبيرا منها بداخله.
لا تستطيع أن تحب شخصا دون أن تكرهه في اليوم عشرات المرات، تكره الشوق إليه، تتأفف من التصاقك المريض به، تثور لأجل هذا الإذعان الذي قرر فجأة أن يحتل روحك المتجبرة، وتلعن غاضبا قلبك الذي فتح الباب لهذا المحتل دون أي بوادر مقاومة.
الحب المحايد الذي لا أثر للكره والفزع والألم فيه ليس حبا حقيقيا، هو فقط نوع من مشاعر المحاباة التي يمكن أن تكنها لقطك الذي يتمسح بك حين تعود إلى المنزل، أو للعجوز ذي الوجه السمح الذي يهديك ابتسامة صباحية في يوم كئيب دون مقابل. فقط أولئك الذين تراودك رغبة مجنونة في صفعهم حين يقفز وجههم من جيب الذاكرة، من يغلي الدم في عروقك وتستبد بك نزعة إجرامية مفزعة لخنقهم داخل حضنك، وتصرخ كل مفاصل جسدك طالبة ودهم حين تلمحهم، من تكن لهم فعلا حبا حقيقيا صنعته من العدم.
وكذا كنت أنت، يمر طيفك أمامي ماشيا على أطراف أصابع قدميك، مشية طاووس ملكي مزهو بنفسه لا يلتفت يمينا ولا يسارا، وأنا أراقبك بصمت قاتل، وحسرة مؤلمة يغذيان نيران الشوق التي تشتعل بداخلي، مشية خفيفة غير عابئة، لكن خفتها عندي أثقل من كل السلاسل التي كبلت كل عبيد روما مجتمعين، ووقعها على قلبي كوقع سيوف الحرب على قلوب الثكالى.
هي، بكل بساطة، حالة بدائية متوحشة من المشاعر تلك التي كانت تجرفني، تقاوم كل جلاميد التروي، تنسف جبال الصبر، وتهدم جدران التصدي إلى أن تعيدها عهنا منفوثا.
تعود إلى الحقبة ما قبل الطباشيرية، تغوص في عمق القدم، تتنكر لكل قصص الهوى التي سبقتها، تكذب قصة عبلة، وتتجاهل حزن ليلى، تكتب بنفسها التاريخ من جديد، تخلط سطوره، تفرق ذراته وتعجنها مرة أخرى بماء الدمع.
كانت هذه الحالة تتآكلني رويدا رويدا، تلاعب قلبي الفتي أنا عاشقة المرة الأولى، تشرب عمري بسرعة إلى أن أنهته في طرفة حب، تجعلني أثور كخيل جامح، والخيل الأصيل إن هاج أسقط صاحبه، ولا صاحب كان عند قلبي سواك، ولعمري، سقوط سد ذي القرنين كان أهون عندي من سقوطك يا وجعي.
أنا منذ البداية أحببت في حبك الشجن، أحببت هذه البئر العميقة من المأساة التي يلقيني فيها، هذا الكم الهائل من البؤس الذي يتساقط فوق رأسي، وهذه الأبجدية التي تأتي أخيرا كي تعانقني وتطبطب جرحي.
أنا في الغياب أكتبك بشكل أجمل، أتذكر فيك كل الروايات الحزينة التي قرأتها قبل أن أصبح بطلة في إحداها، أسمع فيك مقطوعة شهرزاد وهي تناجي-رغم العياء- سيدها، وأرى فيك كآبة مونش صارخا في لوحته.
أنا في الحقيقة مجرد طفل شقي، وأنت آخر حبة حلوى كانت فوق الرف. فكيف طلبت مني المقاومة؟
لكأن القدر أدخل كفه في دمي، خبر أغواري ورسمك بهذا الشكل الذي يستفز كل جزء فيني. لوهلة ظننت أنني قد أعاند الأقدار، وأني أقوى من الرياح التي هبت خفيفة، ثم في لحظة عصفت بي، واقتلعتني من جذوري.
كنت سقفي الأخير من الاكتفاء، في دمي ثارت لأجلك ألف خلية، وتشكلت مهجتي على يدي حبك كفا لا تفعل شيئا سوى المسح على صفحة وجهك.. كنت هذا الفعل الناقص الذي أبتدئ به جملي، وأنقصتني حين غيّبَتك الحياة، وصرت بعدك طفلة العشرين وخمس خيبات.
ليس الحزن من كانت تخيفني أشباحه وأنا بين يديك، لكنه هذا الخواء الذي خلفه بتر وجهك واستئصاله من قلبي، فقد كنت أظن من شدة الغباء أن ورم عشقك المتكور في صدري، كُرة من بذر توليب سيزهر رغم الخيبات!




