حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

غباء اصطناعي

في زمن كان الخيال العلمي مادة للتسلية، قرر الذكاء الاصطناعي أن ينتقل إلى فقرة الأخبار العاجلة، لا بوصفه منقذا للبشرية، بل كمراهق رقمي اكتشف فجأة قوة الفوتوشوب بلا ضمير. المعضلة الأخلاقية هنا ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر وقاحة: إلى أي حد يجب أن تكون حرية الذكاء الاصطناعي مطلقة، ومتى تتحول هذه الحرية إلى رخصة مفتوحة للإساءة، خصوصا حين يكون الضحايا نساء وفتيات لا ذنب لهن سوى وجود صورة عادية لهن على الإنترنت.

ما حدث مؤخرا مع تطبيق Grok، حيث استُخدمت تقنياته لتحويل صور نساء وفتيات قاصرات إلى صور عارية، ليس حادثا تقنيا معزولا، بل مرآة مكبرة لانحراف أخلاقي مزدوج: انحراف المستخدم الذي يبحث عن الإيذاء، وانحراف المنصة التي تتظاهر بالبراءة. هنا لا نتحدث عن خطأ خوارزمي بريء، بل عن قابلية نظام ذكي للتسليح ضد الكرامة الإنسانية، تماما كما يُستخدم السكين لتقطيع الخبز أو لارتكاب جريمة.

المدافعون عن الحرية المطلقة للتكنولوجيا يرفعون شعار الحياد: الذكاء الاصطناعي أداة، والمشكلة في المستخدم. هذا منطق مريح، لأنه يعفي الشركات من المسؤولية الأخلاقية، ويحول الضحية إلى تفصيل جانبي.. لكنه منطق أعرج، لأن الأدوات ليست بريئة حين تُصمم دون حواجز، تماما كما لا تكون السيارة بريئة إذا خرجت من المصنع بلا مكابح ثم قيل للمشاة انتبهوا.

لم أتفاجأ من موقف إيلون ماسك الذي سارع إلى إنكار الأمر أو التقليل منه، وكأن الحقيقة ستخجل وتختفي إذا تجاهلناها. ماسك، الذي يحب تقديم نفسه كفارس حرية التعبير، بدا هنا كمن يخلط بين الحرية والفوضى، وبين الابتكار ورفع اليدين عن النتائج. حرية التعبير لا تعني حرية تعرية الآخرين رقميا، ولا تعني تحويل أجساد النساء إلى مختبرات مفتوحة لنزوات مرضية.

المعضلة الأخلاقية أعقد من مجرد لوم شخص أو شركة. نحن أمام ذكاء اصطناعي يتعلم بسرعة، بينما أخلاق البشر الذين يستخدمونه تتقدم ببطء شديد. كلما ازدادت قدرة الآلة، ازدادت مسؤولية من يبرمجها ومن يطلقها للعالم. تجاهل هذه الحقيقة اختيار سياسي واقتصادي، وليس جهلا بريئا. فحين تُبنى النماذج دون قيود واضحة، فإن الرسالة الضمنية هي أن الأرباح والسبق الإعلامي أهم من السلامة والكرامة.

ثم هناك سؤال القاصرات، وهو السؤال الذي يحاول الجميع القفز فوقه. أي نقاش لا يضع حماية الأطفال في مركزه نقاش ناقص أخلاقيا. تحويل صور فتيات صغيرات إلى محتوى إباحي مزيف ليس حرية، بل عنف رقمي، وآثاره النفسية والاجتماعية حقيقية حتى لو كانت الصور وهمية. هنا يسقط أي ادعاء بالحياد، لأن الصمت أو الإنكار يصبحان تواطؤا.

السخرية السوداء أن الذكاء الاصطناعي، الذي وُعدنا بأنه سيحرر الإنسان من الأعمال القذرة، أصبح يُستخدم لإنتاج أقذر أشكال الإيذاء. ومع ذلك لا يزال الخطاب الرسمي يتحدث عن المستقبل المشرق، متناسيا أن المستقبل لا يُبنى بالأحلام وحدها، بل بقوانين صارمة ومساءلة حقيقية.

الحل ليس في شيطنة التكنولوجيا ولا في تقديسها، بل في عقلنتها. نحتاج إلى تشريعات واضحة، وإلى معايير أخلاقية ملزمة وإلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء بدل إنكارها. نحتاج أيضا إلى ثقافة رقمية تعلّم أن الحرية مسؤولية، وأن الذكاء بلا أخلاق ليس تقدما، بل انحدارا ذكيا.

ويحلو للبعض التذرع بأن الحل هو التربية الرقمية فقط، وكأننا نطلب من الضحية أن تتعلم كيف تتفادى الرصاصة بدل أن نمنع إطلاقها. التربية مهمة، نعم، لكنها لا تعوض غياب الرقابة الصارمة. لا يمكن ترك شركات عملاقة تختبر حدود الأخلاق في مختبر المجتمع ثم تكتفي بالاعتذار عند الانفجار. المطلوب تصميم أخلاقي منذ البداية، يدمج الوقاية، والرصد والعقاب، ويمنح المستخدمين أدوات حماية حقيقية لا شعارات تسويقية.

النقاش يجب أن يشمل، كذلك، الإعلام، الذي يلهث أحيانا خلف الإثارة وينسى واجبه في التفكيك والتحليل. حين تُختزل القضية في فضيحة عابرة، نفقد فرصة بناء وعي جماعي يطالب بالمساءلة. المطلوب خطاب نقدي يشرح المخاطر دون تهويل، ويكشف المصالح دون تبسيط، ويعيد الاعتبار لحقوق النساء والأطفال كخط أحمر غير قابل للتفاوض.

ومن دون هذا الوعي، سنستمر في الدوران داخل الحلقة نفسها، نلوم الخوارزميات تارة، ونبرئها تارة أخرى، بينما يتسع الجرح. المطلوب شجاعة أخلاقية تعترف بأن التقنية اختيار، وأن كل اختيار له ثمن، وأن الكرامة ليست بندا اختياريا في تحديثات البرامج، وأن الصمت لا يقل خطورة عن الفعل المؤذي ذاته.

حدود حرية الذكاء الاصطناعي هي حدود إنسانيتنا نحن. فإذا قبلنا أن تُنتهك كرامة النساء والفتيات باسم الابتكار، علينا ألا نستغرب حين نجد أنفسنا جميعا عراة أمام آلة لا تعرف الفرق بين الإبداع و«قلة العرض».

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى