
قراءة أولى سريعة لهذه الرواية الحدث. ولي عودة أخرى لهذه الرواية التي أعتبرها كقارئ متواضع بأنها رواية عالمية تنتزع مكانتها بكل استحقاق روائي بجانب كل من خريف البطريرك وحفلة التيس.
لماذا أعتبرها كذلك: لأنها رواية تخييلية أصيلة محلية أولا وأخيرا.
وأدعو الذين يبحثون عن التاريخ في الرواية أن يكفوا عن ذلك، إنهم يسيئون لجنس الرواية.
عبد الكريم أوشاشا
——————————–
كانت آخر كلمة لفظها الجنرال الروسي سيرغي كاساروف، منخطفا ومسرنما قبل أن يشهق شهقة الموت، هي كلمة ماسيس وتعني بالأرمينية، كما ورد في الرواية، الجبل الكبير.
إنه الجبل الكبير؛ من تاصميت إلى جبال خنيفرة ثم من وواويزغت إلى جبال أيت بوكماز وأيت بوولي وماكدز.. بهذا يكون الروائي المغربي عبد الكريم جويطي وخاصة في الفصل الأخاذ والساحر “البغل الروسي أو من بلاط القيصر إلى أيت بوولي ” ونحته لشخصية حادة المرأة الأمازيغية القوية والحرة، قد أعطى للجبل صوتا في الديمقراطية الأدبية عن جدارة وأصالة ودهشة روائية عظيمة: الجبل كجغرافيا وكأمكنة ووجهات نظر هامشية.. وجهات نظر وشخصيات بتفردها وامتزاجاتها واختمارها؛ يسد الأدب الرسمي والكولونيالي كل الطرق في وجهها ويعتبرها مجرد واجهة سياحية فولكلورية، أو أهازيج تلقى بحماس في حفلات عيد العرش وعيد الشباب.
منذ بداية الرواية يدس لنا السارد خفية دون أن نشعر دودة كبيرة، يلقيها داخل أرواحنا.. إنها دودة الشك والريبة بحراشفها وقشرتها المسنونة، تتقلب وتوجعنا.. فتبدو لنا كل قناعاتنا وأوهامنا بيوت عناكب واهية زائفة (سرمد هو اليقين الوحيد المتبقي في حياتي).
من ثورة لالة طوطو الغمارية، وهي تحفة من تحف خلائق الأرض وعجائب الكون والتي ادعى زايد السحار بأنه قضى عشرين سنة يبحث عنها، ما هي في حقيقة الأمر سوى فروة وفراغ يروضه زايد فيجبره على أن يلد كل هذا البذخ في الحيلة والتحايل..
زايد بائع الوهم الكبير سمسار الهباء هو نفسه بأقنعته المختلفة والمنقشعة وراء ثورة يقودها جنرال ميت، وبتنظيمات سياسية يرتع فيها ويسممها “المناضل الصغير” بأحلامه الخاصة.
وعلى غرار الانسان الصغير الذي وصفه لنا فيلهلم رايش، فإن المناضل الصغير يرى العالم من ثقب نفسه ويمكنه أن يقوّض البنيان في لحظة حسد أو جبن أو طمع صغير أو تقدير خاطئ.. إنه يرى نجاحات رفاقه الآخرين كاعتداء عليه ومسا خطيرا بأمنه النفسي وتوازنه.. المناضل الصغير نمام شتام فاجر في الخصومة لأتفه الأشياء، يعرف من المفكرين أسماءهم، ومن الكتب عناوينها، ويقدر أن يجادلك ويفحمك بهذا الزاد الصغير الذي التقطه من هنا وهناك، بلا جهد.
إذا كان الرسام الأرمني أفديس ماسيس قد جذبته فكرة الأثر غير المكتمل، فإن السارد هو أيضا قدم لنا شخصيات مفتوحة ولكن بصورة مكثفة وبسخرية مرة كالحنظل، ومبضع لرصد نظام تحجبه البشاعة والعبثية واستكشاف الهاوية التي تقبع فيها الحضارة الصرصارية وتفكيك أجهزة وأنظمة الإيمان الجمعي، والوهم حول الذات وحول العالم..
)نحن رعاة، يا رفيقي، أرواحنا أرواح رعاة. يعجبنا التكوم في الجلاليب، وفرك الخصيتين، وتدلية الأرجل والانتظار متكئين على الحيطان أو متفيئين ظلال الأشجار نزول الأمطار(.
عندما نتوغل شيئا فشيئا في المياه الجوفية للرواية سنلتقي مع شخصيات عديدة نعرفها ولا نتعرف عليها، شخصيات غير جاهزة لأنها أولا وأخيرا شخصيات روائية يغمرها السؤال ويضنيها القلق: الفقيه، الجنرال الدموي صاحب النظارة السوداء والسكين الصغير، وشخصية الممرض الغوريلا ثم شخصية الدينامو الزعيم حارث الغمام ورجل الجب..
وما حكاه حارث الغمام أو رجل الجب لوحة مرعبة حية لإحدى الحدائق الخلفية للنظام.. وشهادة عن التعذيب والمعتقلات السرية أو ما يسمى بالاختفاء القسري تضاهي في عمقها وفي ألمها ما كتبه الاسباني Gorge semrun والفرنسي Primo levi والهنغاري Imre Kertész ، هذه الكتابات التي استطاعت أن تحول التجربة إلى وعي (Transformer l’expérience en conscience ) أو كما كتب Régis Debray في تقديم كتاب Exercices de survie للإسباني Gorge semrun : هذه الطريقة في مزاوجة الحميمية مع الصخب والعنف.. والرعب.
إنها عن “زمن غامض مليء بالآلام التي لا يمكن تصورها، زمن كهفي راكد، سيخرج منه رجل سحق تماما بالعزلة والظلام والقذارة والجوع… وسيخرج معه أيضا الوحش الذي يعيش بيننا بمخالبه وأنيابه وأعينه المحمرة ليمضي بالتوحش نحو ما لا يمكن تخيله”؛
هنا الزمن مغاير في جريانه للزمن الذي نولد ونعيش ونموت فيه، هو زمن خيالي متخيل مثله مثل السارد والأحداث والشخصيات…؛
لأن الزمن الواقعي هو زمن الفوضى، وزمن الرواية هو لمواجهة هذه الفوضى والضياع والبربرية، وتأمل عميق للشرط الانساني؛
إن الروايات العظيمة كما سجل ماريو فارغاس يوسا تغني ثقافتنا والأكثر من ذلك بقوة خيالها وإبداعها تلج إلى حياتنا، تغير إحساسنا بالزمن وبتاريخنا الفردي والجمعي؛ فالأدب بيان عن الثورة والانتفاضة ضد النظام، ضد نظام العالم نفسه.
لذلك فالرواية هي الجنس الأدبي الذي يتعرض أكثر من غيره للرقابة ويتم حجزه أو منعه: فالمستبدون أيا كانوا دينيون أو سياسيون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يحرصون دائما على وضع أنظمة الرقابة سعيا منهم للتحكم في الخيال وخنقه، لأنهم يرون في الرواية خطرا يهدد وجودهم، إنهم ليسوا مخطئين في ذلك، فالمجتمعات المحرومة من رواية وأدب حقيقي سهلة الانقياد، مطيعة بمواطنين ممتثلين غير مستقلين بدون خيال ولا حس نقدي يستحملون الطغيان والاستبداد بقدر وصبر واستسلام.
إن جحيم المعتقلات السرية كما وصفها لنا رجل الجب ليس فقط جحيما أرضيا للجسد بل هو سيكولوجي منهجي تم تطويره ببرودة لتدمير السجين. ومعنى خلاصة شهادة رجل الجب هي نفسها في كتاب (Si c’est un homme) ل Primo levi لم يكتف بإدلاء وتقديم شهادته، بل إنه طرح سؤالا لا زال يشغل مجتمعاتنا اليوم: ما الذي يحدد إنسانيتنا، وكيف يمكنا الحفاظ عليها في مواجهة الهمجية. بهذا المعنى، فإن ما أدلى به تجاوز الشهادة التاريخية ليصبح مرآة تسائلنا وتقض مضاجعنا حيث لا زالت ميكانيزمات الكراهية والتجرد من الانسانية واللامبالاة قائمة إلى اليوم.
الرعب في شهادة رجل الجب، رعب لا يصرخ ، رعب خام، يظهر في عجينته الأولى ، عاريا دون أي تأثير أسلوبي.
وهذا ما سيجعلنا نردد خلف بورديو بأن هذا التجربة على الخصوص قدمت للقارئ ” حقيقة، لو قيلت بشكل آخر لكانت مزعجة لا تطاق.
جويطي الملالي الجبلي سجين كبير للأدب، يموت مائة مرة من أجل كلمة مناسبة، ممهورة بتوقيعه.. أو بلغة الرواية نفسها (هناك جهد في قول أشياء نافذة يعادل جهد امرأة في مخاض صعب).
في هذه الرواية المدهشة يشبه جويطي تماما ما رآه السارد في سليمان الفحّام من طاقة داخلية: إنه يجلس بجلال في كرسيه، كأنه يشرف من عل على مملكة الله… يتابع ممالك النمل…نبي الله الذي ألمّ لكل لغات كائنات الأرض، وخاطب كلا منها بلسانه، وأحس بأنين الهوام، ورق لوجع الأشجار، وقرأ رسائل الريح، وسمع إفادة الهدهد….
كتابة مسكوكة بجهد جبار فلوبيري تبحث عن الكلمة المناسبة (Le mot juste) يتم الاشتغال عليها، نحس بها وهي تخرج من المحك على وشك الانفجار من شكلها المألوف، صقيلة كالشذرات تجعل القارئ يلمس الوقائع المادية وتحمله على الحلم بجمال مستحيل. (كسرة الخبز تملأ بطني فقط، أما الحكاية الكاملة فتملأ نقص العالم من حولي).





