سري للغاية

أبو بكر اجضاهيم: ضباط جزائريون كانوا يعالجون بمصحات مغربية على الحدود أثناء حرب الرمال

كيف جاء اختيارك للتوجه إلى الحدود الشرقية والمشاركة في حرب الرمال؟
في عام 1963 كنت رئيسا للدائرة الأمنية السابعة الشهيرة بـ«الساتيام»، علمت أن محمد أوفقير، الذي كان مديرا عاما للأمن الوطني، تداول خلال تواجده في مدينة وجدة رفقة مدير أمن عاصمة الشرق المغربي الفيكيكي وصديقه لمزايتي، قضية انتداب ضباط الأمن للمشاركة في حرب الرمال بين المغرب والجزائر والتي كانت على وشك الاندلاع.
وحكى لي بدر الدين الخطيب، وهو من المتيمين بحب الوداد، أسباب استدعائي للمشاركة في هذه الحرب، وقال إن جلسة خمرية جمعته بأوفقير فسأله هذا الأخير عما إذا كان ضمن ضباط الأمن الوطني من يحمل اسم بوبكر لانتدابه في المركز الحدودي تويسيت بوبكر المنطقة المنجمية، فأشار إليه بوجود عميد شرطة يرأس أمن «الساتيام» يسمى أبوبكر اجضاهيم فقال مازحا: «هاتوه إلى تويسيت بوبكر»، رد عليه بدر الدين بأنه من الصعب إقناعه بالمجيء لأنه يحرص على تتبع فريقه الوداد البيضاوي، فانتفض أوفقير وقال «يجي بزز»، وفعلا تلقيت إشارة بالالتحاق الفوري فحزمت حقائبي وتوجهت صوب وجدة.

أين كانت نقطة التعيين؟
استقبلني الفيكيكي ولمزياتي وسلماني قرار التعيين في مركز تويسيت بوبكر، وهو مركز منجمي مهم، توجد بها جالية فرنسية وبلجيكية، وصلت إليه في ظرفية استعداد لخوض الحرب، كانت إقامتي في دار الضيافة وفيها سينما وكل وسائل الراحة، وبعد أيام بدأت الحرب المغربية- الجزائرية.

كيف قضيت أيامك الأولى في هذه المنطقة؟
هذه المنطقة الحدودية تعد من المناطق المنجمية على الشريط الشرقي الفاصل بين المغرب والجزائر، هناك ثلاثة مناجم: منجم تويسيت بوبكر والزليجة وهي تابعة للمغرب، وهناك مناجم ألزي في التراب الجزائري في نفس الشريط، هناك سبعون مغربيا من ضمن عمال ألزي، مقابل مائة جزائري يشتغلون في مناجمنا. ما حصل هو أن الحرب أحدثت شحا في مواد التموين، مثلا سوق الأحد في تويسيت بوبكر أصبح خاليا من البضائع، حيث إن الجزائريين كانوا يتبضعون منه بشراهة، وفي مقر عملي كانت تصلني شكاوي من بعض الفلاحين في المنطقة الذين تعرض قطيعهم للسرقة من طرف الجنود الجزائريين، خاصة وأنها اعتادت الرعي في الحدود بين البلدين، أي أنها تتبع الكلأ دون أي اعتبار للمنطقة أكانت تحت النفوذ المغربي أو الجزائري.

ما الطرائف التي ما زالت عالقة في ذهنك خلال حرب الرمال؟
أذكر أنه ذات يوم وأنا في مقر عملي، اتصل بي بعض الجنود وقالوا لي إن ضابطا جزائريا برتبة رائد ضمن فرقة الخيالة، سقط من فوق حصانه وأصيب بكسر على مستوى الحوض، تبين لقيادة الجزائر في المنطقة أن ترحيله إلى وهران أو مغنية سينهي حياته فالرجل في غيبوبة، أعطيت الضوء الأخضر كي يعالج في مصحة تويسيت بوبكر المجهزة والمؤطرة بأطقم عالية التكوين، قضى الضابط الجزائري في المصحة خمسة عشر يوما، وعندما شاع الخبر ووصل إلى عامل إقليم وجدة الجنرال الصفريوي، وكان برفقته نو الشريف وكيل الملك ومساعده عمر دومو، استفسرني عن سر الترخيص للضابط بالعلاج في مصحة مخصصة للقوات المغربية، قال لي بنبرة عسكرية صارمة: «مع من استشرتي؟»، أجبته بهدوء: «مع ضميري» فالإنسانية لا تنسحب بسبب حرب بين الجيران.

كيف كانت علاقتكم بخصومكم الجزائريين؟
من المفارقات الغريبة أيضا والتي تعد نتاجا طبيعيا لموقفنا الإنساني مع الضابط الجزائري المصاب، أنه كلما برمج جنود الجزائر حصة تدريبية في القنص على مقربة من مركزنا، إلا ويبادرون بإشعارنا ببرنامجهم متى سيبدأ ومتى سينتهي كي لا نعتقد أن الأمر يتعلق بطلقات رصاص صوب نقطة تواجدنا. قضيت ستة أشهر في تويسيت وكنت أشعر بأن الحرب ستتوقف لأن لا طرف سيجني ثمار انتصار ميداني.

هل كان أوفقير يتردد على مراكز تواجد رجال الأمن؟
تعرفت على قائد يدعى مصطفى، دعاني لمساعدته في تأمين حفل توزيع شهادات وتعويضات مالية على المتطوعين المغاربة في حرب الرمال، القيمة المالية للتعويض 300 درهم لكل متطوع، كان محمد أوفقير هو من سيترأس الحفل حيث وضعت أمامه موائد فيها مشروبات وحلويات ومياه. راودتني فكرة صب «ويسكي» في قوارير المشروبات الغازية وحرصت على أن تتم الخلطة بشكل لا يثير انتباه مدير الأمن، ووضعتها أمامه هو ومرافقه العالم. أقبلا على المشروب الملقح بالنبيذ وتلاعب برأسهما وقالا هل من مزيد، حينها تقدمت نحو أوفقير وطلبت منه ملتمسا للعودة إلى الدار البيضاء بدعوى مرض مفاجئ لوالدتي، فوافق على الفور، جئت إلى الدار البيضاء وقضيت تسعة أشهر قبل أن يصل قرار الترخيص بالعودة إلى مقر عملي.

ما صحة ما يتداول حول موقف الجنرال بنعمر الذي قال للحسن الثاني إن الجيش المنتصر لا يتلقى تعليمات بالتوقف عن الزحف؟
دامت الحرب 29 يوما، وانتهت بتوقيع اتفاق وقف لإطلاق النار في 20 فبراير 1964 في مالي، بعد وساطات قامت بها الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية، أما ما قاله الجنرال ادريس بنعمر فهو مجرد مزايدة، لأن الملك الحسن الثاني نفذ اتفاقا تم تحت إشراف هيئتين عربية وقارية، ثم إن المجتمع الدولي لا يمكن أن يقبل بالاجتياح الذي تحدث عنه بنعمر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى