حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

أزمة القراءة

مع كل دورة من المعرض الدولي للكتاب بالرباط يعود النقاش حول واقع القراءة في المغرب، وعزوف الشباب بشكل خاص عن قراءة الكتب، مقابل استغراقهم في استهلاك التطبيقات على المنصات الاجتماعية، وما تقدمه من محتويات جلها تافهة، علما أن نسبة القراءة داخل أي مجتمع لا تعتبر ترفا ثقافيا، بقدر ما تشكل مقياسا للصحة الفكرية، والجاهزية والقدرة على فهم ما يدور بالعالم، ومواجهة التحديات، والمساهمة في التنمية ورفع راية البلاد بين الأمم.

لقد فرضت المنصات الاجتماعية على فئة الشباب نمطا استهلاكيا سريعا للمحتوى، يقوم على مقاطع قصيرة مشوقة، لكنها في الغالب سطحية، تُغذي الإدمان أكثر مما تُنمّي الفكر، وهو التحول الذي جعل الكثير من الشباب غير قادرين على التركيز لقراءة صفحة واحدة، فكيف بخوض تجربة قراءة متكاملة تُسهم في بناء شخصية متوازنة، وهنا تكمن خطورة الانتقال من ثقافة التأمل والتحليل الرزين للواقع المحيط والأحداث إلى ثقافة التمرير السريع والاستهلاك اللحظي.

وتشمل أزمة القراءة كذلك تراجع الاهتمام بكتب وقصص الأطفال، رغم دورها المحوري في تنمية الخيال وترسيخ القيم النبيلة، لأن الطفل الذي لا تتم تربيته على حب ومصاحبة الكتاب، يصعب فتح شهيته للقراءة والتهام الكتب، كما أن غياب التنشئة المبكرة على القراءة يقلص من فرص صقل المواهب، ويفرمل قدرات الإبداع والتفكير النقدي.

وعندما نتحدث عن إهمال القراءة، فإن الأمر يقودنا أيضا لتهميش دور مكتبات المؤسسات التعليمية، وصورية مكتبات الأحياء التي أقيمت بدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فضلا عن محدودية المبادرات المشجعة على القراءة والإبداع، وتراجع الاهتمام بالمواد الأدبية، وكذلك غياب التحفيز وخلق أجواء التنافس للإبداع الثقافي في أوساط التلاميذ بجميع فئاتهم.

يجب علينا الاعتراف بأن جل الأسر المغربية لا تخصص ميزانية سنوية لشراء الكتب، وذلك يعود إلى غياب الوعي بأهمية القراءة، كما أن البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية لا تضع التشجيع على القراءة ضمن أولوياتها، والقطاعات الحكومية المسؤولة تقوم بتدشين مهرجانات هنا وهناك للاستهلاك الإعلامي فقط، في غياب استراتيجية واضحة لتربية الناشئة على القراءة، لأن المجتمع الذي لا يقرأ هو مجتمع يسهل توجيهه، ويصعب عليه التمييز بين الحقيقة والتضليل.

إن خطورة أزمة القراءة بالمغرب لا تكمن فقط في ضعف عدد الكتب المقروءة، بل في ما تُنتجه الأزمة من أجيال تائهة، تجهل تاريخها، وتفتقر إلى أدوات فهم حاضرها واستشراف مستقبلها، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن معدل القراءة في المغرب لا يتجاوز عشر صفحات سنويا للفرد، مقارنة بعشرات الكتب في الدول المتقدمة، وهو فارق يعكس عمق الهوة الثقافية والمعرفية.

إننا في حاجة إلى إرادة حقيقية وبرامج عملية تبدأ من المدرسة، وتمر عبر الأسرة، وتصل إلى الفضاء العام، بحيث تتحول القراءة إلى عادة يومية، تُمارس في الحافلات، وقاعات الانتظار، والمقاهي، والحدائق، تماما كما هو الحال في العديد من الدول التي أدركت أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأقصر لبلوغ هدف التنمية.

علينا تقدير وتشجيع الإبداع الأدبي لإحياء ثقافة القراءة، إذ لا يمكن أن نطالب الناس بالقراءة في ظل أوضاع اجتماعية صعبة أولا، وفي غياب دعم حقيقي للكتاب والمبدعين وخلق تنافسية حقيقية مفتوحة أمام جميع المواهب، لأنه حين يصبح الكاتب قادرا على العيش من عائدات كتبه ويقطف ثمرة إبداعه، سنكون قد قطعنا شوطا مهما نحو بناء صناعة ثقافية مستدامة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى