الافتتاحية

أن نكون أو لا نكون

كيف يمكن أن نحول كارثة خانقة إلى مكسب طموح، وكيف ننتقل بالبلد من وضع التفكير داخل الأزمة والوباء إلى التفكير في الكيفية المثلى لاستثمار هذه الأزمة وتحويلها إلى فرصة استراتيجية للبلد؟

تلك كانت أهم الأسئلة التي طرحها خطاب الملك محمد السادس في افتتاح البرلمان.

والمتتبع للخطابات الثلاثة (العرش، ثورة الملك والشعب، افتتاح البرلمان) يسهل عليه أن يلمس هموم الملك وأولوياته لتحويل وباء عالمي يخنق الأنظمة الاجتماعية والاقتصادات الصلبة إلى نقطة انطلاق في بناء مغرب الغد. وإذا كانت المؤسسات الانتخابية المحكومة بهاجس الولايات والتدبير السياسي الضيق تصرف كل وقتها والبعض من جهدها في البحث عن تدبير الأزمة مع ما ينتاب هذا التدبير من نقص ومواطن خلل تجعل الخروج من النفق المظلم صعبا للغاية، فإن الملك محمد السادس يستثمر جهده ووقته بالتفكير في إيجاد منفذ للخروج من الجائحة وبناء مغرب الغد خارج «صندوق كورونا». لقد أظهرت الملكية أنها عازمة كل العزم على تحويل الأزمة إلى فرصة ذهبية وشعلة ابتكار لتعاقدات اقتصادية واجتماعية وتنموية كبرى تحكم العقدين المقبلين.

ومن خلال الخطابات المتعاقبة، يظهر أن الملك لا يرغب في التفكير من داخل منطق الأزمة، فتجلياتها معروفة لدى الجميع، ولا تحتاج إلى جهد في التحليل العميق، فالكل مهما كانت قدراته التعليمية علم أو سمع بتراجع النمو الاقتصادي وتجمد العائدات السياحية والاستثمارية وتراجع الإنتاج الوطني وانخفاض عائدات الجالية المغربية، وتنامي النفقات العمومية لدعم الطبقة المتضررة مما ساعد في تنامي العجز المالي وبالتالي الارتفاع الصاروخي للمديونية الخارجية، لكن الذي يشغل بال أعلى سلطة في البلد أن تتحول هاته الوعكة الاقتصادية والاجتماعية إلى فرصة حقيقية لاستعادة الطريق السليم نحو الإصلاح لعقود قادمة.

لذلك شدد خطاب افتتاح البرلمان على كون هذه الأزمة المفاجئة تشكل تحديا كبيرا من المفترض أن يقود الدولة المغربية إلى تعديل جذري في هياكلها الوظيفية، ومراجعة إدارة التدبير الاقتصادي (مخطط الإنعاش الاقتصادي وإحداث وكالة محمد السادس للاستثمار) والاجتماعي (مشروع الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية) والإداري (الإصلاح العميق للمؤسسات والمقاولات العمومية والتعيين في المناصب العليا، أعمال الحكامة) لتصل الدولة إلى قدر من التنمية يضمن الكرامة والعدالة المجالية لكل أبناء الوطن.

لكن كل هاته الطموحات الملكية لتحويل الأزمة إلى فرصة للانطلاق لمغرب العدالة، لا يمكن أن تتحقق دون تغيير السلوكات والعقليات التي شكلت مفتاح الخطاب الملكي الأخير مع أنها ليست المرة الأولى التي يثير فيها الملك الانتباه إلى ضرورة تغيير الثقافة البائدة قبل أي شيء. فلا يرجى أي نفع عام من وراء إصلاحات وتغييرات مهما كان حجمها وكلفة الأموال التي ستصرف عليها وحكامة الإجراءات التي ستصاحبها مادامت العقليات والسلوكات التي قادت البلد إلى المشاكل ووضعته على حافة السكتة القلبية مستمرة.

بلا مواربة الخطاب الملكي وضع المغاربة وكل المؤسسات أمام اختبار كبير لإثبات مصداقيتها في الوطنية ونكران الذات والتضامن الاجتماعي وتحمل المسؤولية المشتركة في ما سنواجهه من تحديات صعبة خلال القادم من الأيام، لذلك لا مجال للمزايدات السياسوية وهدر الزمن السياسي في مناكفات لا تنفع الوطن، ولا وقت ولا جهد مازال متوفرا لصراعات لا نجني منها سوى التوتر ودفع البلد نحو الهاوية. اليوم هناك معركة واحدة لا يعلى عليها وهي إنقاذ البلد وبناء مستقبله وهنا النجاح إما أن يكون جماعيا، لصالح الوطن والمواطنين، أو لا يكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى