الرأي

أول إرهابي

بقلم: خالص جلبي
في 19 رمضان من عام 40 هجرية الموافق 660 ميلادية هوى سيف عبد الرحمان بن ملجم الخارجي على رأس علي رضي الله عنه، فسقط ولم ينج فمات بعد ثلاث ليال من الضربة المسمومة، ولم يكن بن ملجم الوحيد، بل في تلك الليلة دفعت يد الأقدار الموت عن معاوية وعمرو بن العاص، فقد كانت خطة الخوارج قتل الثلاثة في يوم واحد، فمات علي رضي الله عنه ونجا الداهية عمرو ومعاوية. ومنذ تلك اللحظات تخلد اسم الخوارج القتلة وتناسلوا عبر التاريخ بأسماء شتى، فلم يكن بن ملجم الأول بل هناك آخر مشهور هو (حسن الصباح)، مؤسس فرقة الحشاشين. هكذا جاء في الكتاب الذي أصدره الألماني الباحث (Heinz Halm) بعنوان «الحشاشون ـ تاريخ عصابة سرية في الإسلام Die Assassinen . Geschichte einesislamischenGeheimbundes».
الجديد في البحث هو أن هذا الباحث من جامعة توبنجن (Tuebingen)، قام بدراسة مفصلة حاول فهم هذه الفرقة من أين نشأت وكيف تطورت؟ وما هي جذورها؟ وما علاقتها بكارثة داعش الحالية ومن قبل القاعدة وما سيأتي من قواعد لاحقة؟
يقول البروفيسور (هاينتس هالم) إنه حاول دراسة تراثهم، بل والذهاب إلى قلاعهم؛ بل وسماع الشهود عنهم من آسيا الوسطى. فالمعلومات التي بين أيدينا من تراثهم قد احترقت على يد المغول، الذين مسحوا كل أثر لهم عام 1256 م.
وصفوا كالتالي: فنهم كان القتل، سلاحهم الخنجر، ووصلوا إلى العشرات من رجال الدين (المفتون) والأمراء والسلاطين وقليلا من أمراء الصليبين، حسب إحصائيات المؤرخ الألماني.
قتلوا من وضعوه على لائحة الإعدام في خيمته أو الحمام أو حتى وهو معتليا فرسه، أو يصلي في كنيسة كما في اغتيال الأمير الصليبي رايموند (Raimond) في أنتوخيوس (طرطوس الحالية في سوريا)، ومارسوا السياسة بنصل الخنجر والدم.
ولكن من أين نشأت هذه الفرقة؟ ومن أسسها؟ هذا يعود إلى مشكلة الانشطار الشيعي ـ السني، حين وقع النزاع حول أحقية الخلافة، بعد النبي (ص)، بين أبي بكر وعلي رضي الله عنه، وكارثة معركة صفين حين خرج منها ثلاثة أحزاب كل يدعي أنه الأحق بالخلافة بين شيعة وسنة وخوارج.
أما الشيعة فقد رأوا، حسب النظرية الدموية؛ أن آل البيت هم فوق المناقشة والنقد؛ فهم من طهرهم القرآن بنص آية، اختلف الناس في تفسيرها.
وحين وصل التسلسل عند الشيعة إلى الإمام السادس جعفر، حصلت مشكلة حين توفي الولد الأكبر للإمام السادس إسماعيل، ولكن إسماعيل كان له طفل صغير، وعند هذا التفرع نشأت الفرقة الإسماعيلية، وعلى نحو سري نشأت طائفة تتبع سلالة إسماعيل 765م، ولكن هذا التفرع امتد عام 882 م من اليمن حتى الهند، ثم حصلت الطفرة العجيبة على يد حسن الصباح.
طفرة حسن الصباح كانت شيئا مخيفا، كما في نشوء السرطانات بظاهرة الطفرة. فالرجل جاء من إيران من قرية الري قريبا من طهران الحالية، وعاش في قلعة آلاموت (التي تعني عش النسر) لمدة 40 عاما يبث أفكاره، ويربي تلامذة على طاعة لا تعرف سوى تنفيذ الأوامر. ومن قلعة آلاموت امتد نفوذ الفرقة إلى 40 قلعة أخرى.
كان الوقت دمويا ـ كما هو حال الشرق الأوسط في أيامنا ـ ومشى الجميع على الجثث. ولكن لم يكن أحد ليضاهيهم في قسوتهم ودمويتهم وحذقهم في الوصول إلى أهدافهم؛ فلم ينج منهم أحد، بل تذكر بعض المراجع أنهم كانوا يدخلون مخدع من يريدون قتله فيضعون جنب رأسه رسالة.
كانت أول ضرباتهم الوزير الأول نظام الملك في دولة السلجوقيين. ونجا منهم صلاح الدين الأيوبي بأعجوبة، وكانت خطتهم لاغتيال أمير أذربيجاني أكثر من محكمة في 16 ماي 1116م، حين فاجأ الأمير فدائي أول فطعنه؛ فقاوم الموت وانتزع من أحشائه الخنجر؛ فقفز ثان من المجهول، وكرر الطعن؛ فهجم الحرس في وجهي الاثنين من العفاريت، وإذا بثالث يكمل الطعنة الثالثة فيموت الأمير.
لم تأت نهايتهم إلا على يد من هو أشرس منهم، على يد المغول في عام 1256م حين ضربوهم بالمنجنيق، ويقول البروفيسور (هالم) الذي درس أركيولوجيا المنطقة، إنه ما زال في سفح قلعة جيردكو (GerdKuh) بقايا من أنصال المغول، حيث يحلق إلى ارتفاع 300 متر جدار القلعة.
كانوا مثل السرطان فانتشروا إلى سوريا (قلعة مصياف) التي رأيتها شخصيا، وذهلت من فخامة التحصينات، وقلت كانوا دولة مخيفة،
هم بالفعل كانوا كذلك، ووقعت المنطقة بين مطرقة الصليبيين وكماشة الحشاشين. حتى تحررت المنطقة كما هو في قانون الإنتروبيا، في زوال الدول وموت الحضارات. ويعلق الباحث هالم أن الملياردير (كريم آغا خان الرابع) يعتبر الإمام 49 منهم، وهو يفضل اليوم نشر الثقافة ومسك مضرب الغولف أكثر من خنجر الحشاشة، أو استقدام جاستن ترودو بطيارة خاصة لقضاء إجازة ملوكية كلفته نهش الصحافة لجلده.
كان الإرهابي الأول حسن الصباح، وأما سلالته الفكرية فهي موزعة بين خلق كثير في المعمورة، وليس البغدادي والجولاني وأضرابهما سوى سرب بسيط من سلالة الدم والقتل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى