شوف تشوف

الرأيالرئيسية

إفلاس العالم

 

 

 

أحمد مصطفى

 

 

رغم كل الحديث المتشائم مع نهاية العام وبداية عام جديد حول الركود الاقتصادي، وربما السياسي والاجتماعي، المتوقع في 2023 واستمرار الحروب والصراعات، إلا أن هناك طاقة تفاؤل مهمة لا يمكن إغفالها. حتى مع استمرار الحرب بأوكرانيا، واحتمال اشتعال بؤر صراع مسلح جديدة تزيد فرص خروج العالم من أزماته المتعددة وحدوث انطلاقة جديدة.

ليس هذا التفاؤل مبنيا على «التفكير بالتمني»، وإنما هذا ما تشير إليه تجارب تاريخ البشرية السابقة. ونأخذ مثالا من الاقتصاد، إذ إن أكبر مشكلة تهدد النظام المالي العالمي في العام الجديد هي مشكلة الديون. فقد وصلت نسبة الدين بالناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى نحو ثلاثة أضعاف. وهناك أكثر من خمسين دولة تواجه احتمالات التخلف عن سداد ديونها، الذي يعني تقنيا عملية «إفلاس». ناهيك بعدد كبير من الشركات التي يمكن أن تتخلف أيضا عن سداد ديونها وتعلن إفلاسها.

ورغم أن ذلك يثير مخاوف المستثمرين والصناديق حول العالم، إلا أنه ربما كان الحل الأمثل لتخلص النظام المالي العالمي من أمراضه المزمنة، والدخول في مرحلة تعاف على أسس سليمة. فهناك الآن نحو ثلاثمائة تريليون دولار من الديون في النظام، القدر الأكبر منها ديون شركات، تليها ديون سيادية على الحكومات، والبقية ديون «ورقية» لا تقابلها أي أصول حقيقية.

ذلك الانزعاج من الإفلاس حول العالم مبالغ فيه إلى حد كبير. فنحو خمس ذلك الدين العالمي هو أرقام «وهمية»، من الأفضل أن تتبخر فعلا، لأن ضررها كبير جدا. والشركات التي اقترضت بكثافة في السنوات الماضية وأسعار الفائدة قرب الصفر، ولم تخطط لأن ترتفع كلفة خدمة الدين، فالأفضل أن تفلس بدلا من إثقال النظام المالي بأعباء غير ضرورية. أما الشركات التي تتمتع بالكفاءة والفعالية، فيمكن أن تنمو بشكل أفضل وتوفي التزاماتها بشكل جيد.

صحيح أن بعض الدول المثقلة بالديون الحكومية قد تعاني لفترة، لكن تخلصها من القدر الأكبر من أعباء خدمة الدين العام، يمكن أن يكون البداية الأفضل لانطلاقة اقتصادية، إذا توفرت الإرادة السياسية وأخذت بأسباب التنمية المستدامة.

هذا مثال على صعيد الاقتصاد العالمي، وكيف أن تخلص النظام المالي من مواضع الخلل، ولو عبر الإفلاس، واسع النطاق يمكن أن يجعل الإصلاح أكثر جدوى مما حدث في أعقاب الأزمة المالية العالمية في 2008.

يمكن سحب ذلك أيضا على السياسة، فأغلب النظم السياسية في الدول الرئيسية على موعد مع تغييرات. من انتخابات عامة في دول من أمريكا إلى تركيا، مرورا ببريطانيا وأيضا تغيير في التوجهات نتيجة صعود قوى جديدة حتى في الدول التي ليست على موعد مع انتخابات. وعلى صعيد العلاقات الدولية، فإن إرهاصات التغيير التي نشهدها منذ العام الماضي، قد تؤتي أؤكلها في العام الجديد والذي يليه.

مع أنه من الصعب توقع «إفلاس السياسة» على طريقة الإفلاس المالي/ الاقتصادي المتوقع، إلا أننا قد نشهد بداية نهاية للتباين التقليدي بين اليمين واليسار في السياسة المحلية للدول، وأيضا محاولة فرض نهج واحد للسياسة الدولية ما بعد نهاية الحرب الباردة. ليس بالضرورة أن يؤدي ذلك إلى عالم «متعدد الأقطاب»، لا تتفرد فيه الولايات المتحدة بالقيادة، كما ترغب الصين وروسيا وغيرهما. ولكن على الأقل سيترسخ مبدأ «تنويع» التحالفات، ربما بشكل أقرب إلى طريقة «تنويع» الاقتصاد، كما تفعل دول الخليج منذ سنوات للابتعاد عن الاعتماد على الطاقة فقط.

وفي ظل هذا التنويع، ستجد قوى صاعدة من الهند وفيتنام إلى المغرب والبرازيل فرصة قوية بتعزيز مكاسبها عالميا. ولن تكون أوروبا، التي اعتبرت تاريخيا «المركز» في العلاقات الدولية، بعيدة تماما عن تلك التغيرات. بل إن احتمالات اشتعال بؤر أخرى فيها غير أوكرانيا، مثل استعادة صربيا لإقليم كوسوفو وعودة الصراع العسكري على حدودها الشرقية بين أرمينيا وأذربيجان، قد يؤدي إلى تغييرات مهمة في القارة، ربما تصل إلى إعادة توزيع القوة فيها بعيدا عن قطبيها الرئيسيين: ألمانيا وفرنسا.

أما الإفلاس العالمي الأهم، في تصوري، رغم أن المال والاقتصاد والسياسة تطغى على تفكير الجميع، فهو ربما كان الفكري والثقافي. وأهمية ذلك أنه سيمثل انطلاقة جديدة للبشرية للابتكار والإبداع بعيدا عن كل القوالب والأنماط التي سادت، منذ بدايات القرن الماضي. فقد بلغ تطورها منتهاه على ما يبدو بدأ في التراجع حتى وصل إلى نهاية المنحنى، ولم يعد هناك مفر من دورة ارتفاع جديدة تختلف كثيرا عن سابقتها حتى وإن بنت على أساسياتها.

ربما يصبح الحديث عن التطور التكنولوجي مثلما أصبح الحديث عن التحديث الصناعي في النصف الثاني من القرن الماضي. ويركز الإبداع البشري على طور جديد من التفكير «الهجين»، بين ما هو إنساني وما هو آلي. وإذا كان يصعب تصور نتيجة ذلك الآن، إلا من قبل الشعراء والفنانين الذين يتخيلون المستقبل في إبداعهم، إنما أكثر احتمالا أنه سيكون نهجا جديدا تماما وليس تطورا لما هو سائد الآن فحسب.

فلمن ينتابه قلق من إفلاس العالم أن يراجع نفسه ليهدأ، لأن إفلاس وضع هو فرصة لوضع جديد، فالبشرية لم تعدم أبدا في تاريخها إيجاد طريقها للاستمرار في إعمار الأرض.

 

نافذة:

ستجد قوى صاعدة من الهند وفيتنام إلى المغرب والبرازيل فرصة قوية بتعزيز مكاسبها عالميا ولن تكون أوروبا بعيدة تماما عن تلك التغيرات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى