إلى أين نسير

إلى أين نسير

النقاش العمومي في المغرب هذه الأيام مثير للشفقة، السياسيون منشغلون عن حل مشاكل الناس بالتنابز في ما بينهم بالألقاب ومراكمة التعويضات عن مهام لا يقومون بها أصلا، الرأي العام الشعبي مشغول بأغنية «عندو الزين عندو لحمام» التي غنتها أسماء لمنور «واش ديال بنت العريان ولا لا»، فحسب الشيخ حجيب فأغنية «عندو الزين عندو لحمام» ليست لبنت العريان بل هي تراث وملك لجميع المغاربة، افرح إذن أيها الشعب العريان، فأغنية «عندو الزين عندو لحمام»، التي كانت اللازمة المفضلة للبصري وهو يقذف الكرات نحو ثقابي كولف بنسليمان خلال التسعينات، هي في ملكيتك وعليه فمن حقك أن تربط خصرك الدامي بشد جدتك وتلوز راقصا من شدة الألم.
أما الوزير بوليف الذي عاد في الانتخابات على ظهر جمعية اليتيم، ولا أقصد طبعا اليتيم الذي معه في الحزب والحكومة بل تلك التي تضمن له في كل موعد انتخابي 60 ألف صوت في طنجة، فقد عاتب المغاربة على اهتمامهم بقضية السيدة المسنة التي تسلقت عمودا لكي تثير انتباه المسؤولين لمشكلتها، ونصحهم بالاهتمام بذكرى الإسراء والمعراج والتفكر في أشراط الساعة ذاكرا الآية الكريمة التي يقول فيها الله تعالى «اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون»، ونسي الناصح المغفل أن الحساب الذي كان عليه أن يجيب عنه هو ذلك الذي يتعلق بالخمس سنوات التي قضاها هو وحزبه في الحكومة والذي أصدر بشأنه المجلس الأعلى للحسابات تقريرا عطن الرائحة.
أما عمدة طنجة فعوض أن ينكب على تفكيك أحزمة البؤس التي تحيط بالمدينة فقد توجه نحو المجلس العلمي الأعلى لكي يطلب منه فتوى حول نصب تمثال لابن بطوطة وهرقل وسط المدينة، وكأن زميله عمدة القنيطرة انتظر فتوى المجلس العلمي لكي ينصب مجسمات للطيور المهاجرة، أو كأن عمدة تطوان فعل الشيء نفسه مع مجسم الحمامة البيضاء، أو في إيفران مع مجسم الأسد. وكأن مشاكل طنجة انتهت ولم يبق للعمدة سوى أن يحل مشكل نصب تمثال ابن بطوطة وهرقل.
بسبب غياب العدل وانتشار الظلم، أصبح الناس يضرمون النار في ذواتهم ويتسلقون الأعمدة والمباني ويهددون بالانتحار، فقطاع العدل بعد خمس سنوات من وعود مصطفى الرميد بتطهيره من الفساد لم يزدد إلا فسادا.
أما الصحة فالمستشفيات تتلقى الأدوية الخطأ وتبقى في الخزائن إلى أن تفسد فيما الناس يموتون ببطء بسبب «السكانير الخاسر» والطبيب «اللي مكاينش» و«الدوا اللي مجاش».
أما قطاع التعليم فأصبح مرتعا للانحراف والتطرف والتحرش والعنف، حتى أصبحنا نرى كيف يتجرأ غرباء بمكناس على اقتحام أماكن نوم التلميذات بإحدى الثانويات ومحاولة اغتصابهن.
وحتى عندما يتم اعتقال المجرمين والجانحين فإن السجون ملاذ لكل الموبقات حيث يتعلم السجناء الجدد من السجناء القدماء كل أنواع الشرور.
والكارثة العظمى أنه لم يعد هناك أمن عقاري في المغرب إلى درجة أن وزير العدل السابق نصح المغاربة بتفقد عقاراتهم في المحافظة العقارية مخافة السطو عليها من طرف مافيات منظمة.
الموثقون، الذين تتساوى سمعتهم في المخيال الجماعي للشعوب المتحضرة مع سمعة القديسين، عدد كبير منهم في السجون بتهم الاختلاس، وعدد كبير اختلسوا ودائع زبائنهم وغادروا المغرب.
القضاة أصبحنا نسمع كل أسبوع عن ضبط أحدهم في حالة تلبس بالارتشاء أو الإخلال بشرف المهنة.
ولذلك فتقرير البنك الدولي الأخير حول المغرب في أفق 2040 ينصح المسؤولين باغتنام الفرصة الأخيرة لإنقاذ البلد.
طبعا البنك الدولي لا يسدي إلينا نصائحه حبا في سواد عيوننا ولكن لأنه يريد أن يظل المغرب واقفا على رجليه لكي يضمن البنك التوصل بأقساط ديونه الثقيلة التي تلف عنق المغاربة والتي أغرقتنا فيها الحكومات المتعاقبة.
لكن هناك نصيحة مهمة أسداها لنا تقرير البنك الدولي وهي ضرورة إيقاظ الوعي الجماعي لدى جميع المتدخلين في الشأن العام بخطورة المرحلة، فاستراتيجية النمو المتبعة بالمغرب اختنقت، ونموذجنا المبني على الاستثمار لا ينتج الشغل ولا يساعد على الإنتاج.
كل هذا يحدث والطبقة السياسية عندنا مشغولة بنقاشات عقيمة من قبيل كواليس تشكيل الحكومة ومواضيع مثل التحكم والإرث والإعدام وغيرها.
اسيقظوا، رحمكم الله، فالبلاد بحاجة إلى علاج بالصدمات الكهربائية لكل القطاعات، وإلا فإن حالة الغيبوبة التي دخلنا فيها ستتحول إلى موت اكلينيكي.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة