شوف تشوف

الرأي

استفزازات مع سبق الإصرار

يصعب استساغة أن مهاجرين يتحدرون من أصول إفريقية، استيقظوا صباحا وأقروا العزم على اقتحام السفارة المغربية في باريس، احتجاجا على سياسة الرباط في التعاطي وملف الهجرة. ذلك أن وجودهم في باريس، تحت أي ظروف يلغي هذه الفرضية. ولئن كان مفهوما أن يحاول مهاجرون اقتحام الأسوار الشائكة التي تفصل بين الحدود الوهمية مع مدينتي سبتة ومليلية اللتين تحتلهما إسبانيا شمال البلاد، بهدف الوصول إلى الضفة الأخرى، فمن غير المنطقي اقتحام سفارة بلد إفريقي في باريس، كل ذنبه أنه أقر سياسة جريئة في تسوية أوضاع المهاجرين والأجانب المقيمين.
لم يحتج هؤلاء على الجزائر التي تطرد المهاجرين واللاجئين الأفارقة والعرب، ولم يقصدوا سفارات عواصم أوروبية أقرت شن حرب لا هوادة فيها على شبكات الاتجار في الهجرة غير الشرعية، ولم يتظاهروا ضد أشكال الميز العنصري وعدم المساواة التي تطبع مواقف وسلوكات التيارات اليمينية الراديكالية التي تتنامى داخل المجتمعات الأوروبية.
لنتأمل الصورة من كل الزوايا، فعلى إيقاع متصل ومتواتر تعرضت السفارة المغربية في باريس إلى شبه اقتحام أمني، عندما بعث القضاء الفرنسي بمن يسلم استدعاء إلى مسؤول الاستخبارات الداخلية عبد اللطيف الحموشي. وبعدها بشهور تعرض مستشفى كان يعالج فيه القائد العسكري الراحل عبد العزيز بناني، المفتش العام وقائد المنطقة الجنوبية السابق، إلى أعمال استفزازية تخلو من الوازع والرادع الإنساني والأخلاقي. وفي المسلسل ذاته حاول البعض تنظيم تظاهرات أمام مقر إقامة الملك محمد السادس في فرنسا. دون إغفال سلسلة التقارير التي تتذرع ببواعث حقوقية لتشويه صورة المغرب، على رغم كل الخطوات التي اتخذها لتحسين سجله والتزاماته في هذا المجال.
واليوم حين يقتحم مهاجرون مقر السفارة المغربية، ضمن خطة سبق إصرار لتصوير وقائع الحادث، لا يمكن وضع هذا السلوك خارج سياق المناوشات التي تستهدف المغرب، فيما أن اختيار باريس لتوالي هذه السيناريوهات يعكس جوانب الالتباس. طالما أن العاصمة الفرنسية تستضيف سفارات كل العالم، تماما كما أن وزراء ودبلوماسيين يمرون من معابر المطارات الفرنسية، من دون أن يتعرضوا لأي استفزاز، ما يجعل من واقعة وزير الخارجية صلاح الدين مزوار استثناء يؤكد القاعدة، أي الإصرار على ممارسة أعمال عدائية واستفزازية ضد المغرب تحديدا.
لا ضرورة للربط بين هذه الأحداث وما عرفته وتعرفه العلاقات بين باريس والرباط. ذلك أن منطق التطلع إلى المستقبل وتعزيز أواصر الثقة يفرضان أن يكون البلدان وضعا خلافاتهما إلى الوراء. أقله إحصاء معالم الربح والخسارة خلال الفترة التي ساءت فيها العلاقات، إذ يتبين أن التطبيع الإيجابي له فوائد ومصالح متبادلة، بينما الأزمات لا تنتج غير ركام التباعد والتردد وإضاعة الفرص السانحة.
يدرك الفرنسيون بالذات أن بوابة المغرب لا بديل عنها لإقامة شراكة متوازنة مع دول المنطقة المغاربية والامتداد الإفريقي. كما يعرف المغاربة أن لفرنسا دورا مؤثرا داخل الفضاء الأوروبي. ومن الناحية الاستراتيجية الصرفة محكوم على البلدين مضاعفة جهودهما للإبقاء على مستوى مشجع من العلاقات. ليس أبعده تكريس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، ونبذ منطق الوصاية والهيمنة والابتزاز. فقد انقضى ذلك العهد الذي كانت فيه باريس ترسم سياسات مستعمراتها السابقة، كما مضت مرحلة إذكاء الجراح.
المغرب من بين دول مغاربية لم يلجأ أبدا إلى سياسة إذكاء الجراح، فقد اعتبر أن التاريخ لا يتقدم من خلال العودة إلى الوراء، بل عبر التقدم بجرأة وشجاعة نحو استشراف آفاق التعاون المستقبلي. وإنها لمسألة تدعو إلى بعض الحيرة أنه في الوقت الذي يتجه فيه العالم إلى الانفتاح على بلدان كانت تصنف في خانة العداء، مثل دلالات الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة خمسة زائد ألمانيا، أو مثل التطبيع الجارية فصوله بين واشنطن وهافانا، لازالت بعض الأوساط تحن إلى سياسة العهود الغابرة.
ثمة أطراف عديدة لها المصلحة في انفجار حادث اقتحام السفارة المغربية في باريس، ولا يمكن استثناء كل أولئك الذين ينظرون بعدم الارتياح حيال نهج المغرب سياسة طموحة في التعاطي وملف الهجرة واللجوء. كما لا يستثني كل أولئك الذين يغيظهم أن يكون المغرب ينعم في الاستقرار والتعايش ويتقدم بخطوات ثابتة نحو حل إشكالياته الاقتصادية والاجتماعية. لكن البداية يجب أن تصدر عن الدولة الفرنسية، لأنه مهما كانت مبررات التظاهر ضد سياسة أي بلد، سواء لأسباب وجيهة أو لأهداف سياسية مغرضة، فإن رمزية السفارة لها تقاليدها وأوفاقها. وإذا كان حق التظاهر والاحتجاج مشروعا، بصرف النظر عن خلفياته، فإن اقتحام السفارات خط أحمر لا يتعين الاقتراب منه، ولا يجب خلق أي التباس إزاء هذه القضية المرتبطة أساسا بمفهوم السيادة في أي مكان أو زمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى