الافتتاحية

افتتاحية

إنه لأمر إيجابي أن تستفيق المعارضة من سباتها الشتوي الطويل لتذييل البلاغات الحماسية المشتركة، وإنها لرسالة ذات رمزية عالية أن تخرج المعارضة تشحذ سيوفها الحادة في غزوة القفة، لكن أين كانت المعارضة طيلة الولاية الحالية والمواطن يتعرض لوابل من القصف في معاشه اليومي؟ أين تبخرت المعارضة عندما كانت حكومة العثماني تعيث فشلا في السياسات والقرارات العمومية؟ أين كانت المعارضة من إقبار قانون من أين لك هذا لأكثر من خمس سنوات ودفن قانون التغطية الصحية للوالدين، والإلغاء التدريجي للتوظيف العمومي وتعويضه بالتعاقد؟ لماذا تحللت المعارضة من وظيفة الوساطة أمام احتجاجات الشارع وتركت مؤسسات إنفاذ القانون في مواجهة مباشرة من المحتجين؟ أين اختبأت المعارضة أمام الاستهداف الذي تتعرض له مؤسسات ورموز البلد من طرف العدميين؟
لقد بدا واضحا أن هناك عجزا مدقعا للمعارضة خلال الولاية الحالية وحتى تلك التي سبقتها رغم الإمكانيات الدستورية الهائلة التي وضعت تحت أيديها، بل يكاد المشهد السياسي يخلو من أي شيء اسمه معارضة برلمانية، باستثناء تحركات احتجاجية شعبية تلقائية، أو مواقف فئوية لتنسيقيات وبعض ممتهني المعارضة الحقوقية والإعلامية ملأت الفراغ الكبير للمعارضة المؤسساتية، التي يشكل حضورها الفعلي ضمانة للتوازن في الحياة السياسية.
وبدل أن تطلق مكونات المعارضة العنان لبلاغاتها وترمي النار بتهور تجاه أي شيء يتحرك أمامها كان عليها أن تسائل ذاتها حول الإنجازات التي حققتها للمواطن. صحيح أنه لا يمكن مساءلة المعارضة على تنفيذ البرنامج الحكومي لكنها مسؤولة عن إنجاز برنامجها وتقديم بدائلها، مسؤولة عن تمرير قوانين سيئة وقرارات مؤلمة تارة تحت ذريعة المصلحة العليا وهي منها براء، وتارة بالاختباء وراء التوافقات السياسية.
والحقيقة التي لا غبار فيها، أن المعارضة الممثلة في البرلمان تعيش موتا سياسيا بطيئا ويكاد يضمحل دورها السياسي، وهذا من بين الأعطاب التي يعاني منها المشهد السياسي. فالأحزاب التي لم تصل إلى الحكومة يكون مصيرها الاختفاء من المشهد في انتظار سنة انتخابية تنفض عنها الغبار بمعارك دانكيشوتية. فالوضع الطبيعي كما هو في مختلف التجارب السياسية التي تحترم نفسها، أن يتواصل دور المعارضة كحكومة ظل في تأطير احتجاجات الشارع وأداء مهامها في الحياة السياسية، واستقطاب المواطنين الذين فقدوا الثقة في أحزاب الأغلبية الحاكمة، لكن لا شيء من هذا تحقق لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

إقرأ أيضاً  افتتاحية الأخبار: الأرقام العنيدة
مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى