الرأي

اقتصادات البدن والنفس

عبد الإله بلقزيز
ما من قيمة من القيم المادية والرمزية في الحياة الإنسانية لم تُقِم الرأسمالية اقتصاداً خاصاً بها. لقد حوّلتها إلى موضوع للاستثمار ولإنتاج سلع أو خدمات تُشبع الحاجات الاجتماعية من القيم لدى الناس. لا يتعلق الأمر، هنا، بالقيم التي من النوع الذي يدخل في نطاق المواد الحيوية كالغذاء والدواء، مثلاً؛ بل يتعلق بأخرى فائضة عن الحيوي في الوجود الإنساني، لكنها تغطي بعضاً من الرغائب والمُتَع التي يستريح لها الناس، أو بعضاً من الحاجات الرمزية: الثقافية والجمالية والروحية العميقة لديهم. إنها اقتصادات متخصصة تُخاطِب بها الرأسمالية بعضاً من الأبعاد الغرائزية وغير المادية في الوجود الإنساني، فتستثيرُها وتوفر لها العروض للتحقق أو للتعبير عن نفسها حاصدة، من وراء ذلك، أرباحاً خرافية.
يمكننا أن نُطلق على الاقتصادات المادية التي من هذا الضرب اسم اقتصادات الرّضا والاستمتاع. وهي مادية لأنها تنصرف إلى إشباع مطالب مادية لدى الناس، من دون أن تكون حيوية في الغالب منها، أي مما يتوقف عليه البقاء الحيوي. لنأخذ من هذه الاقتصادات مثاليْن شائعيْن ومعمَّمين في العالم: الاقتصاد السياحي والاقتصاد الرياضي. ويمكننا أن نطلق على الاقتصادات غير المادية اسم الاقتصادات الرمزية؛ لأنها منصرفة إلى إشباع حاجات غير مادية: ثقافية في العموم، ولنأخذ نموذجين لها: الاقتصاد السمعي والاقتصاد البصري. والتقسيم هذا اصطلاحي ومنهجي فحسب؛ ذلك أن صوراً من التداخل توجد في كل اقتصاد من هذه الاقتصادات بين القيم المادية والقيم غير المادية.
مَبنى الاقتصاد السياحي على الإمتاع وتحقيق الشعور بالرضا؛ على استثمار الفراغ بما يولد الشعور بتعبئته بوسائل تجديد الطاقة. لذلك هو اقتصاد يقوم على إمبراطورية هائلة من الوسائل والمرافق: فنادق وإقامات ومنتجعات، ومسابح، وملاعب، وملاهي، ومطاعم، وبرامج رحلات استكشاف لمعالم مدن الإقامة، وصالات رياضة، وخدمات أخرى سياحية لا حصر لها. إنه صناعة قائمة الذات تبدأ بأساطيل الطائرات المدنية ولا تنتهي بخدمة التوصيل إلى المطار، وتقوم عليها دول ووزارات وشركات كبرى، وتُضَخ فيها مئات ملايين الدولارات، سنوياً، في بلدان العالم الرأسمالي خاصة. وميزة هذا الاقتصاد أنه لا يعيش، فقط، من مستهلكين محليين؛ بل هو مفتوح على العالم وعابر للحدود. وهكذا صنعت الرأسمالية للمتعة صناعتها الخاصة واستدرجت ملايين البشر لها، حتى أن السياحة تنوعت مجالات: من سياحة استجمام وسياحة استكشاف إلى سياحة ثقافية، ودينية… إلخ.
الاقتصاد الرياضي، مثل سابقه، مبناه على صناعة المتعة ولكن، هذه المرة، تلك التي تتولد من مشاهدة عبقرية الجسم، وطاقته المتفجرة في لُعَب رياضية. وهو، أيضاً، اقتصاد إمبراطوري تبلغ فيه معدلات الإنفاق مستويات خرافية؛ على بُناه التحتية: من ملاعب وتجهيزات، وعلى موازنات جامعاته ونواديه، وعلى رواتب لاعبيه وما يخضعون له من صفقات بيع وشراء… إلخ. وتقوم عليه دول ونواد تملك من المال ما تملكه الدول، ناهيك بالشركات الكبرى المتَبنية للأندية والمغدقة عليها ألواناً من الإنفاق شتى. ولا تقل مداخيل هذا الاقتصاد الرياضي وفرة عن مداخيل الاقتصاد السياحي إن لم تفُقه؛ فموارده لا تُحَد: من تذاكر الفُرجة لملايين الناس، إلى مداخيل الإعلانات والبث التلفزي، إلى الدعم المرصود من شركات القطاع الخاص، إلى الموازنات الحكومية المرصودة… إلخ. وهو، اليوم، أضخم اقتصاد جاذب للمستهلكين بعد الاقتصاد الغذائي والاقتنائي.
للاقتصاد الرمزي، أيضاً، جمهور مستهلك عظيم وتتولد منه أرباح خرافية عائدة إلى مَن يقومون عليه. الموسيقى والغناء من أهم مواد الاقتصاد الثقافي السمعي هذا. وتقوم على هذا الاقتصاد مؤسسات لا حصر لها: شركات لتصنيع الآلات الموسيقية، وأخرى لتصنيع الصوتيات، ومعاهد موسيقية عامة وخاصة، وصالات عرض واستوديوهات تسجيل، وشركات إنتاج، وشركات توزيع، وأسواق، وعقود بث إذاعي وتلفزيوني، ومهرجانات، ناهيك بموارد الدعم الخاص… إلخ. والأفلام والمسلسلات من أهم مواد الاقتصاد البصري التي تقوم عليها مؤسسات خاصة شبيهة: شركات إنتاج، وتسويق، ومدن سينمائية، وعقود بث تلفزي، وصالات عرض، واستوديوهات، ناهيك بما تعيش به من موارد الإشهار، أو من الدعم الرسمي والخاص. والاقتصادان هذان مثالان فقط لما قامت عليه صناعات من مواد ثقافية لا تحصى في العالم المعاصر، وإن كانا المثاليْن الأوسع جماهيرية للصناعات الثقافية في المئة عام الأخيرة.
هي، إذاً، قيم اجتماعية إنسانية – مادية ورمزية- تعبر عن حاجات حميمية لدى الناس في الاستمتاع والاستجمام والفرجة والتخيل… إلخ، لم يلبث التصنيع والاستثمار والتسليع أن اقتنصها فحولها إلى مادة مجزية للاستغلال وتعظيم الأرباح. بهذا المعنى لم تترك الرسملة ميداناً لم تحتله وتحتكره في حياة البشرية. لقد صارت الكرة الأرضية بما عليها ومن عليها ملعباً للرأسمال ومادة لجشعه الذي لا حد له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى