الرئيسيةثقافة وفن

الأدب وصدى طبول الحرب

 

 

إعداد وتقديم: سعيد الباز

بدأت غيوم الحرب تعلو سماء العالم وصدى طبولها يُسمع من بعيد، والأدب منذ القديم كان أقرب إلى تسجيل وقائعها المريرة والتنديد بفظائعها. في الأدب العالمي الحديث والمعاصر نجد المثال الشهير في الكاتب إيريش رومارك (1898-1970) Erich Remarque بروايته «كلّ شيء هادئ على الجبهة الغربية» التي جعلته أكثر الكتاب الألمان شهرة وقراءة عبر العالم. في هذه الرواية يتناول مشاركته في الحرب العالمية الأولى رفقة مجموعة من الطلبة المتطوعين من فصله الدراسي ومعاناته من فظاعة هذه الحرب وعبثيتها بشكل تطبعه السخرية المريرة. كما يعتبر الكاتب الألماني هاينريش بول (1917-1985) Heinrich Böll، الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1972، أكثر الكتاب اهتماما بموضوع الحرب ومن دعاة السلام في الكثير من أعماله مثل الإنجليزي جورج أورويل، خاصة في كتابه «الحنين إلى كتالونيا» الذي يسجل فيه وقائع مشاركته في الحرب الأهلية الإسبانية.

في أدبنا العربي تحضر الحرب من خلال نموذجين: الحرب الأهلية اللبنانية التي وظفتها الروائية اللبنانية هدى بركات في روايتها «حارث المياه»، والحرب على العراق من خلال روايات الكاتب العراقي سنان أنطون، والحرب في سوريا مع مها حسن في «عمت صباحا أيتها الحرب» وأخيرا مع كوكبة من الشعراء والكتاب العرب من العراق واليمن وليبيا وسوريا.

 

إريش رومارك.. كلّ شيء هادئ على الجبهة الغربية

ذهبنا للاستراحة على بعد خمسة أميال خلف ميدان القتال. وبالأمس فقط انتهت نوبتنا، وكانت بطوننا اليوم ممتلئة حتّى التخمة، وكل منّا قرير العين ناعم البال… بل تزوّد كلّ رجل لوجبة العشاء سلفا بنصيب وافر من الفاصوليا والخبز والسجق… وهذا رخاء عجيب لم نحلم به من زمن طويل ! ومن عجب أنّ الطاهي كان يرجونا أن نأكل… وكان يومئ بمغرفته إلى كلّ جندي يمرّ أمامه، ويتحفه بسخاء مدهش… وذهب إليه «جادن» و«موللر» بإناءين كبيرين فملأهما حتّى القمة، واحتفظا بهما كاحتياطي للطوارئ ! وهذه الظاهرة في «جادن» هي من قبيل الشراهة، أمّا عند «موللر» فهي بعد نظر. لكن ما يحيّر العقول هو أين تذهب هذه الكميات التي يحشو «جادن» بها جوفه، فهو نحيف كالعود، ولم يتغيّر يوما عن هذا الوصف ! والذي كان يلفت النظر أكثر من ذلك هو عدد السجائر التي وزعت علينا… فقد كانت حصة كل رجل ثلاثين سيجارة، وهذا نصيب لم يكن مألوفا من قبل. ومن الحق أن أقول إنّ هذه الغنيمة جاءت عفوا… ولولا خطأ في التقدير والحساب لما فزنا بها. فمنذ أسبوعين ذهبنا إلى ميدان القتال لكي نخلف زملاءنا في الصفوف الأمامية ونعطيهم قسطا من الراحة… واستمر الهدوء يسود الخندق الذي نزلت به كتيبتنا، ولم يستهدف أحد منّا للموت. ولذلك أمر ضابط المؤونة الذي بقي في المؤخرة بإعداد الطعام كاملا للكتيبة المؤلفة من مائة وخمسين رجلا… ولكن فوجئنا في اليوم الأخير ببطارية من المدافع الإنجليزية الثقيلة أخذت تمطرنا بمقذوفاتها بلا انقطاع حتّى تكبدنا خسائر جسيمة… وعدنا ثمانين رجلا فقط صالحين لحمل السلاح.

وفي الليلة الماضية تراجعنا، ولما وصلنا إلى مقر الكتيبة ذهبنا نلتمس النوم لأوّل مرة بالمعنى المفهوم… فإننا لم نكد نذوق طعم النوم في ميدان القتال… كان الوقت ظهرا حينما زحف طليعتنا من فراشه… وما هو إلّا نصف ساعة حتّى تكامل جمعنا أمام المطبخ حيث فاحت الرائحة شهية تسيل اللعاب، وبيد كلّ منّا إناؤه. وكان على رأس الصف بالطبع أشدنا جوعا… أعني «ألبرت كروب» الصغير، وهو أقدرنا في مسائل العقل والتفكير، و«موللر» الذي لم يزل يحمل معه كتبه الدراسية، وهو يحلم دائما بالامتحانات، وتراه أثناء إمطارنا بالقنابل يغمغم نظريات على الطبيعة، و«لير» ذو اللحية الكاملة… أمّا رابع الجياع فهو كاتب هذه السطور، «بول بومر». ونحن الأربعة في التاسعة عشرة من أعمارنا، وقد تطوعنا جميعا في صفوف الجيش من فصل واحد بمدرسة واحدة.

وكان يلينا مباشرة أربعة أصدقاء آخرون… أوّلهم «جادن»، وهو حدّاد هزيل في سننا، وأكبر أكول في الغرفة، تراه يجلس للأكل ضئيلا كالجرادة، فإذا نهض كان منتفخا كالقربة. وثانيهم «هاي ديستوس» وهو حطّاب… وثالثهم «ديترنج» وهو فلاح لا يفكر إلّا في مزرعته وفي زوجته. ورابعهم «كات»، زعيم جمعيتنا غير منازع، وهو رجل في الأربعين من عمره، ذكي، ماكر، كثير التجارب، ذو أنف عجيب له قدرة على التنبؤ برداءة الطقس، ومخابئ الأكل. كانت عصابتنا في طليعة الصف أمام المطبخ… وبدأنا نتذمر، فإنّ الطاهي لم يعرنا اهتماما. وأخيرا ناداه «كات» قائلا: أنت يا «هنريخ» ! افتح «مطعم الشعب» ! لم يهتم الطاهي بنا… وبقي على استهتاره، وقال: أنت تتكلم عن نفسك. لكن أين الباقون؟

-لن يتشرفوا اليوم بالأكل بين يديك. فهم إمّا في عنبر الجراحة أو يأكلون في الجنة.

جزع الطاهي حين تجلت له الحقيقة… وكاد يترنح، وهتف: إنني أعددت الطعام لمائة وخمسين رجلا !

فدفعه «كروب» في صدره قائلا: إذن سننال كفايتنا لأوّل مرة في التاريخ، تفضل اغرف.

 

سنان أنطون.. يا مريم

… لا تزال في سريرها الآن ولم تستيقظ بعد للذهاب إلى الجامعة. تذكّرت كيف أن الحرب هي التي قربتني منها أوّل مرّة عام 1991. وكيف أنّ حربا أخرى، أو بالأحرى ما تلاها من مصائب وكوارث، هي التي حوّلت مجرى حياتها لتعيش معي تحت سقف واحد هي وزوجها. وهو ما لم أكن أتصوره أبدا. لكن هل كان أحد يتصور أيّ شيء ممّا حدث في العقود الأخيرة؟

كنت أفضّل البقاء في البيت، لكنّ حنّة أصرت على أن نلتحق بالأقرباء، خصوصا أنّ صوت القصف أرعبها. فمقر قيادة القوة الجوية كان قريبا من البيت وكان القصف «عبالك فوق راسنا» كما ظلت تردد للآخرين لاحقا. وعندما تجادلنا حول قرار الذهاب إلى الملجأ، قلت لها: «إذا الله يريدنا نموت، نموت وين ما نكون» فقالت: «نروح نموت ويّ قرايبنا أحسن. ليش نموت بوحدنا؟» فقلت لها: «شنو خو ما هي حفلة؟ أنا أريد أموت ببيتي !»

لم يكن الملجأ ملجأ حقيقيا، بل سردابا تحت أسواق الأميرة التي يملكها أحد أقربائنا في منطقة الكرادة. لكنه كان كبيرا يتّسع لبعض أقرباء صاحب المحلّ، بالإضافة إلى بعض العوائل التي كانت تسكن في الشارع الفرعي الذي يقع المحلّ في رأسه، من الذين لم يتركوا بغداد. حيث كان الكثير من الناس قد تركوا العاصمة إلى المحافظات قبل يوم أو يومين من بداية القصف للابتعاد عنه.

أوّل مرة رأيت مها فيها كانت طفلة تبكي، مثلما بكت أمس. وتألمت وأنا أرى دموعها تنهمر. كنت قد رأيتها من قبل بالطبع في المناسبات العائلية ولكن تلك هي المرة التي أذكرها بوضوح. كنت الوحيد الذي عرف كيف يساعد أمّها، نوال، في تهدئة روعها في الملجأ في تلك الليلة المظلمة عام 1991. كانت الطائرات الأمريكية تدكّ بغداد ليلتها في قصف شديد يهزّ الأرض. ومها في أحضان أمّها تبكي. فقامت تمشي وحوّلت ذراعيها إلى مهد تهزّه وتهدهدها. وصل إلى الباب الذي يؤدي إلى الدرج حيث كنت أقف وبيدي المذياع الصغير الذي كان دائما معي لأتابع الأخبار، مع أنّها لم تكن قد تغيّرت في اليومين الأخيرين «غارات جوية لقوات التحالف على أهداف في العراق والكويت». لكن المذياع لم يكن يلتقط شيئا في السرداب وكان عليّ أن أصعد لكي ألتقط الموجة وكنت أضطر إلى النزول عند اشتداد القصف.

… لم تكن ضربات الأمريكان جراحية كما كانوا يدّعون في الأخبار، بل كانت، كما ظلت حنّة تردد «عامي شامي» فأخطأوا في قصف بناية بريد العلوية القريبة منّا ثلاث مرّات ودمروا عمارات منها قبل أن يصيبوها. ولم أفهم ما شأن مكتب بريد العلوية بالكويت التي كانوا يريدون تحريرها… في اليوم الذي تلا ضرب بريد العلوية، قررت أن أمشي لأشاهد بنفسي ما حدث. وعند اقترابي من الفروع القريبة من البناية شاهدت مئات الأوراق مبعثرة على الأرض وبعضها معلق بسعف النخيل. وعندما وقفت لأقرأ ما عليها تبيّن بأنّها كانت فواتير هاتف وأوراق من معاملات رسمية مبعثرة في كلّ مكان.

بعد أسبوع من البقاء في الملجأ لم تبق قطرة ماء واحدة في خزانات الماء على سطح البناية وأغلق الحمام الوحيد الذي كان يستخدمه الجميع ممن لم تكن بيوتهم قريبة من السرداب. أصبح الوضع حرجا واقتنعت حنّة بضرورة العودة إلى البيت فعدنا إليه. كانت واحدة من المدافع المضادة للطائرات على سطح بناية مجاورة وكان صوت إطلاقاتها مرعبا هو الآخر يكاد يصم الآذان، فلم يبق فرق بين السرداب والبيت.

 

هدى بركات.. حارث المياه

… أوقف عبد الكريم سيارته الهوندا عند زاوية شارع خان فخري بك لشدة الزحام. قال لي وحمّالو الشاحنة يتبعوننا سيرا على الأقدام: ننتهي أوّلا من محلّنا لأنّه الأقرب إلى الشاحنة. وافقت وأنا أسرع الخطى وراءه. كنّا ما زلنا على بعد أمتار من محل أبو عبد الكريم حين بدأنا نسمع أصوات انفجارات قريبة. تابع عبد الكريم سيره غير آبه تسمّر مكانه أمام مدخل المحلّ. كان بابه الحديدي الجرار منفوخا كالكرة وممزّقا تماما. قال عبد الكريم: الحمد لله لم يقع ما كنت أخشاه: الحريق.

داخل المحلّ لم يأبه عبد الكريم لكمية البضاعة المتضرّرة، الممزّقة على بكراتها والمكوّم أكثرها على الأرض وعلى الدكّة الخشبية. خرج من المحلّ يبحث عن الحمّالين فلم يجد أحدا… ونحن في سيارته ودواليبها تنهب الأرض نهبا كان لا يكفّ عن كيل الشتائم للأكراد ومن لفّ لفّهم، وهو يعني الحمّالين وسائق الشاحنة الذين اختفوا بلمح البصر دون إخطارنا، بعد أن اشتدّ القصف، وبعد أن قبضوا الأموال سلفا متذرّعين بالظروف لإملاء شروطهم. قال لي عبد الكريم ونحن في البيت نشرب القهوة إنّ بضاعة الأسواق المنهوبة تنزلها الآن الشاحنات في الجمّيزة والأشرفية. ينهبون ثم يقصفون لمنعنا من إنقاذ بضاعتنا. كلّ ذلك محسوب، هذه حرب للنهب، ليست حرب رجال، كان يقول عبد الكريم غاضبا، هذه مؤامرة، مخطط جهنمي. ستجد كلّ محالّهم فارغة ومحالّنا محروقة منهوبة. أنت تعرفني يا حاج نقولا وأبوك يعرف أبي، هل نحن متعصبون… هل لمستم منّا تعصّبا كالذي يظهره هؤلاء الناس؟ لم يكن عبد الكريم يجد حرجا في كلامه عن الموارنة إذ كان يعرف أننا نحن أيضا –الروم الأرثوذكس- لا نحبّهم كثيرا، وأن لا دخل لنا في ما يجري الآن مع من يسمّيهم جلبا على أهل بيروت.

… في صباح اليوم التالي أيقظتني العصافير. العصافير ! لابدّ أنّي أحلم قلت لنفسي إذ مضى زمن، منذ بدء الحرب، لم أر فيه هذه المخلوقات العجيبة في سماء المدينة. نهضت صافي المزاج ونظرت طويلا حولي في هذا السكون الغريب ثمّ دخلت إلى المحلّ. إلى جانب الرماد الأسود والأبيض شاهدت كوما من الحجارة الصغيرة المختلفة الأشكال، العجيبة في ألوانها واستدارتها. وسرعان ما أدركت أنّها قطع النايلون المحترق المتكوّم بعد اشتعال الأقمشة الرخيصة المتنوعة التي قرر أبي بعد عناء طويل الاتجار بها وأفرد لها كلّ هذا الطابق الأرضي، لا يأتي على سيرة القماش الحقيقي، كما كان يدعوه، إلّا للزبون أو الزبونة ذات القدر والتي تستحق أن ينزلها إلى الطابق السفلي.

توجهت إلى عمق المحلّ الذي فقد أحد جدرانه واقتلعت شجيرة كانت نبتت هناك، ومستعينا بأحد أشلاف الحديد المقصوفة رحت أضرب حجارة النايلون الملتصقة بالباب الأرضي المعدني المؤدّي إلى الطابق السفلي. ظللت أطرق حتى خلعت مفصّلات الباب وأزحته تماما كي يدخل من الفتحة الواسعة ضوء النهار. تمدّدت على الأرض وأدليت رأسي نزولا فلفح وجهي هواء بارد. غير معقول قلت لنفسي وأنا أنهض واقفا وأسارع إلى هبوط درجات السلم. كان كلّ شيء في مكانه. كما حين ألقيت نظرة دائرية بحسب ما كنت أفعل كلّ مساء قبل أن أطفئ الأنوار وأقفل الباب الأرضي وكما فعلت في اليوم الأخير من نزولي السوق إلى عملي.

كلّ شيء كما كان. لا أثر حتّى للغبار. عرفت ذلك دون أن ألمس أيّا من الأثواب على لفائفها. من الالتماع الخاصّ بكلّ نوع من أنواع الأقمشة والأنسجة، عرفت أنّها تردّ الضوء حرّا لا يعيقه أيّ غبار. ضوءها الخصوصي الذي أعرفه جيّدا ويصنفه بؤبؤ عيني بسهولة ويسر منذ عشرات السنين.

 

جورج أورويل.. الحنين إلى كتالونيا

… في اليوم التالي لوصولي إلى الثكنات بدأ ما أطلقنا عليه، تندرا «التدريب». في البداية كانت مشاهد مريعة من الفوضى. كان المتطوعون معظمهم من أبناء السادسة عشرة أو السابعة عشرة، من حواري برشلونة الضيقة، مفعمين بالحماس الثوري، ويجهلون تماما معنى الحرب. فكان من المستحيل جعلهم يصطفّون بانتظام. الانضباط كان مفقودا، وإذا لم يعجب الرجل أحد الأوامر خرج من الصفوف وأخذ يجادل الضابط. وكان الملازم الذي يدربنا شابا جريئا قويا وسيما من ضباط الجيش النظامي البائد، وكان ما يزال يبدو عليه ذلك، بمشيته المختالة وهندامه الأنيق. لكن الغريب أنه كان اشتراكيا مخلصا ومتحمسا. فكان يزايد حتى على الأنفار أنفسهم بالإصرار على المساواة بين مختلف الرتب. وأذكر دهشته وألمه حين خاطبه أحد الجنود بـ«سيدي». «ماذا ! سيدي؟ من يناديني بسيدي؟ ألسنا جميعا رفاقا؟». ولا أشك في أن هذا لم يجعل وظيفته أكثر يسرا. لم يكن الجنود الأغرار ينالون أي تدريب عسكري حقيقي يمكن أن يفيدهم أدنى فائدة. ولقد أبلغوني أنّ الأجانب ليس عليهم الخضوع لأيّ «تدريب» (فالإسبان، كما لاحظت، كانوا يعتقدون اعتقادا راسخا بأن الأجانب كلهم يعرفون عن الأمور العسكرية أكثر من الأهالي المواطنين)، لكنني انضممت إلى الباقين. وكنت تواقا للتدرب على الرشاش، فهو سلاح لم تتح لي فرصة تجريبه. ولأسفي لم يعلمونا شيئا عن هذه الأسئلة. فما كان يدعى بالتدريب كان تمارين استعراضية ميدانية من الطراز القديم الغبي، يمينا دُرْ، يسارا دُرْ، وراء دُرْ، أمامك سرْ بصفوف ثلاثية، وكل ذلك الهراء الذي تعلمته حين كنت في الخامسة عشرة. وهي صورة غريبة لا تصلح لتدريب جيش من المغاوير. فالواضح أنه إذا لم تكن لديك إلا بضعة أيام لتدريب الجندي، عليك أن تعلمه الأشياء التي سيكون بأشد الحاجة إليها، كيف يتحصن، وكيف يتقدم في الأرض المكشوفة، وكيف يأخذ حذره ويبني المتراس. والأهم كيف يستعمل سلاحه. مع هذا فإن هذه الغوغاء من الأطفال المتحمسين المقرر أن يُلْقى بهم في الخطوط الأمامية، تدربوا بضعة أيام فقط، ولم يكن فيها التدرب حتّى على كيفية إطلاق البندقية، أو نزع مسمار الأمان من الرمانة. في ذلك الحين كنت أجهل أنّ السبب الحقيقي هو أنه لم يكن هناك سلاح للتدريب ولا للتوزيع. كان الافتقار للبنادق شديدا لدرجة أن الجنود حين يصلون إلى الجبهة للتبديل كانوا يأخذون الأسلحة من زملائهم العائدين. وأظن أنه لم يكن في ثكنات «لينين» كلها إلا الأسلحة التي يستخدمها الحرس.

بعد بضعة أيام رُئِي أننا، بالرغم من كوننا حجارة بكل المعايير، جاهزون للعرض أمام الجمهور. فكنا نساق كل صباح إلى الحدائق العامة على التل الواقع وراء «ساحة إسبانيا»… كان المنظر في الحدائق العامة غريبا وبهيجا معا… كان الجنود يسيرون على الخطوة زمرا، ذهابا وإيابا، وقد شدت أطرافها ونفخت صدورها بكل ما تستطيع أن تظهر بالمظهر العسكري.

 

هاينريش بول.. وصل القطار في موعده

قريبا.. قريبا.. قريبا.. متى تكون «قريبا» هذه؟ يا لها من كلمة مخيفة قد تعني خلال ثانية أو خلال سنة. تضغط المستقبل وتجعله محدودا، دون أن تعين زمنا بذاته، ليس فيها أيّ يقين، بل تشتمل، في الواقع، على لا يقين مطلق، فقد تعني لا شيء وقد تعني الكثير. فهي تغطي كل شيء فقريبا يأتي الموت، وقريبا سأكون ميتا، قلتها بنفسي، وقالها شخص داخلي، وآخر خارجي بأنها ستتحقق. «قريبا» على أية حال تعني خلال الحرب، هذا شيء مؤكد. لكن كم ستستمر الحرب؟ قد يتطلب الأمر سنة قبل استسلام الجبهة الشرقية، وإذا لم يهاجم الأمريكيون والبريطانيون الجبهة الغربية فقد يستغرق الروس سنتين للوصول إلى المحيط الأطلسي. لكن، مهما حدث، فستستمر الحرب. سنة أخرى على الأقل، لن تنتهي قبل نهاية 1944. هذه الحرب منظمة بشكل جيد، جبانة تماما، وشجاعة تماما، بحيث لا تنتهي قبل ذلك.

وهكذا لدي فرصة لأعيش لمدة ثانية أو سنة، كم ثانية في السنة؟

سأموت قريبا وقبل أن تنتهي الحرب، لن أعرف السلام ثانية أبدا. لا سلام لي، لن تكون هناك موسيقى أو زهور أو شِعْر أو فرح إنساني، فقريبا سأكون ميتا، «قريبا» هذه تشبه ومضة البرق. هذه الكلمة الصغيرة هي الشرارة التي تشعل العاصفة، وفجأة في جزء من ألف من الثانية، يصبح العالم كله متوهجا.

رائحة الأجساد البشرية هي نفسها كما كانت دائما، رائحة القذارة والغبار وطلاء الأحذية. إنه أمر غريب، كيف تكون هناك قذارة حيث يوجد الجنود؟

أصابع الجثة أمسكت بالحشرة.

أشعل سيجارة من تبغ طازج، وبدأ يخطط مستقبله.

ربما «قريبا» هذه نوع من الوهم، ربما لأني مرهق جدا ومنفعل تماما. فقد تركت نفسي لترتعب منها، فلأفكر ماذا سأفعل حين تنتهي الحرب. سأ.. سأ.. هناك حائط يسد طريقي، حائط أسود تماما لا أستطيع أن أفكر بما وراءه. أستطيع، بالطبع، أن أرغم نفسي على إكمال الجملة.. سأدرس، وستكون لي غرفة في مكان ما، وتكون لدي الكتب والسجائر والموسيقى والشعر والزهور.. لكن ذلك لا يجدي فأنا أعرف أنه لن يحدث، فهذه ليست أحلاما حقيقية للمستقبل. إنها أفكار باهتة لا تُرتجى، دون جسد أو دم أو حياة. المستقبل بلا وجه، وجهه مبتور، وكلما فكرت فيه أكثر، شعرت كم هي قريبة تلك الكلمة، «قريبا» سأموت، وذلك يقين ينتظرني بين ثانية وسنة، وتلك نهاية أحلامي.

ربما خلال شهرين، حاول أن يفكر بالكلمة من ناحية الوقت، يريد أن يكتشف هل يمكنه أن يصل إلى الحائط الذي لا يمكن اختراقه قبل انتهاء الشهرين القادمين؟ شهران، هذا يعني قبل نهاية نوفمبر. لكنه لا يستطيع أن يقيس المستقبل. إن الشهرين المفترضين فكرة بلا قوة، فمن الممكن أن يقول ثلاثة أشهر أو أربعة أو ستة. لا يوجد أيّ جرس في هذا التاريخ المفترض، فكر في يناير، لكن لا يوجد حائط هناك، واستيقظ بداخله أمل غريب قلق، وانبثق أمامه مايو فجأة، لا يوجد شيء هناك، حائط مصمت. هذه الـ«قريبا» لا شيء سوى شبح شاحب، وقفز فكره إلى نوفمبر التالي، لا شيء، وتلبسه فرح وحشي مخيف، يناير سنة وربع أمامه. لا حائط، تنهد بسعادة وواصل التفكير بالمستقبل…

قال لنفسه «قريبا سأموت» وشعر كالسابح الذي يرى نفسه قرب الشاطئ، وفجأة تسحبه موجة عاتية إلى البحر ثانية. «قريبا» حيث يقوم الحائط ولا أكون هناك على سطح الأرض.

 

مها حسن.. عِمْتِ صباحا أيتها الحرب

… البيت يعني سريرا وغطاء، والحلم بالنوم بين جدران آمنة، تحمي من البرد والخوف والمباغتة. البيت يعني أن تدخل إلى مكان مغلق، تقفل عليك بابه، فتشعر بطمأنينة السلام. هو السلام، الوقاية من الآخر، وعلى نقيضه اللا بيت، هو التواجد في احتمالية الخطر: هجوم ما من طرف ما، إنسان، حيوان، طبيعة…

سيكون حلم السوريين، بعد حلم طويل من الحرية والمساواة، والتحرر من الخوف، فقط: بيت ! سيتنازل السوريون عن أحلام الأفكار الكبرى في العدالة والحق والحرية، وسيكتفون بحلم الأمان في مكان، يقيهم من الخوف. الخوف الغريزي الذي يشعر به المتشرد والمحروم من أمن البيت.

أمّا أنا، فسوف أقضي حياة طويلة مليئة بالبيوت، وأمتلك بيتا آمنا، جميلا وواسعا، أصادق داخله كائنا سحريا: كلبتي التي تقاسمني الأمان والسلام، ولكنني كلما أغمضت عينيّ، تخيلت أنّ معنى البيت لاصق هناك: في سورية، حيث بيتي الأول، وحيث حنيني الأزليّ.

… البيت الأول بمنزلة الحب الأول، يبقى الحامل القوي لكل المعاني المعادلة للبيت. كلما أشرقت الشمس في مطبخي الفرنسي، تسرّب خيال مطبخ بيت أهلي داخل مطبخي هنا: بروائح الثوم والبصل والزيت المقلي ودبس البندورة وعلب النعنع اليابس والكمون والكزبرة.. المطبخ السعيد كأحلام الأطفال، هو مطبخ أمي، والبيت السعيد هو ذلك البيت القديم الذي كنت أكرهه، حالمة بالخروج منه صوب الانفلات والحرية والضوء.

أنا لدي بيت هنا، لكن غرام البيوت ظل عالقا هناك

من ليس لديه بيت يحلم ببيت له جدران، يضع عليها صور الطفولة، أو العائلة، أو الأم التي ماتت في الحرب، بيت يحمل رائحة الحماية.

 

يوم سقوط حلب

… لم أنم منذ عدّة ليالٍ، رأسي داخل الأخبار، تتمّ المساومة على المدنيين المحاصرين داخل حلب الغربية. الفصائل المتعددة تتحكّم بمصائر النساء والأطفال. اتفاقيات بين الروس والمعارضة في الداخل لإخراج المحاصرين، ينتظر الناس الفرح في الصباح، وتبدأ رحلات الإجلاء، تقوم فصائل ما (أحرار الشام وجبهة الشام) بإطلاق النار. يعدّ الروس أنّ المعارضة نقضت الاتفاق، تتوقف عملية الإجلاء، الناس يحلمون بالنجاة، لقد قبلوا بترك بيوتهم والخروج دون أيّ شيء سوى غريزة البقاء على قيد الحياة. نسمع صيحات الاستغاثة من الداخل: ناشطون وصحافيون ومدنيون: (طالبوا بوقف القصف، لا نريد سوى أن نعيش). أخبار عن إعدامات ميدانية. أبكي وحدي خلف جهاز الكمبيوتر وأنا عاجزة، أنقل الفيديوهات على صفحتي في الفيسبوك.

الأطباء يناشدون العالم لإنقاذ الجرحى. الجرحى مرميون في الشارع تحت البرد، يمضون الليل في الخارج، بانتظار حافلات تنقلهم إلى الريف الغربي، بحسب الاتفاق بين الروس والفصائل. نشرات الأخبار الفرنسية تقدم تقارير من حلب. الكاميرا تصور من الأعلى، أتفرّج على الأنقاض، أحاول التقاط مشهد لبيت واحد نجا من الخراب. البيوت كلها تحوّلت إلى حجارة متساقطة على أطراف بقاياها، أضع صورة طفلة تركض وسط الجثث على صفحتي أيضا، تشبه طفلة النابالم الشهيرة التي تركض عارية في حرب فيتنام، الميليشيات تدخل البيوت، وتعدم العائلات عن بكرة أبيها، صرخات الاستنجاد والاستغاثة في رأسي تمنعني من النوم. أشعر أنّ رأسي ماكينة، تسجل الصور والأصوات: اخرجوا في الشوارع، أنقذونا، نحن محاصرون، ستتم تصفيتنا، أو سنموت من البرد والجوع والخوف. أذهب إلى السرير بحنجرة مخنوقة من البكاء، وبعينين متورمتين. تصلني رسالة على الواتس آب. أحفظ الرقم باسم ابنة أخي فرح، وأعتقد أن الرسالة من أمها، زوجة أخي: (مبروك علينا حلب).

 

 

مصطفى عبود.. الحديد لم يولد ليكون قضبانا

1

ما الداعي للسجن
ونحن أصلاً مسجونون في معدة الحرب كقرحة
ولماذا نهين الحديد نحن الذين نشعر بالخوف والرطوبة
الحديد لم يولد ليكون قضباناً
الحديد للسكك مثلاً
وكيف يرضى المرء أن يكون سجاناً ولديه أسرة؟
أفضل أن أمسح أحذية المارة مجاناً
على أن أحمل قفلاً لزنزانة.

2

أبشع طريقة للعيش
أن تكون الناجي الوحيد في الحرب
لذلك لا تَعُدْ وأنت محمّل بصراخ الآخرين.

 

 

وأنت تسير قرب الحب
وأنت تسير قرب الحبّ
لا تنس أن تقطف وردة متفتحة وتهديها
لامرأة تصلي في الكنيسة
هي لا تصلي، هي تطلب حظها
فكن رجلا حكيما
وقل لها: تقبّل الربّ .

وأنت تسير قرب الغياب
لا تنس أن تقطف وردة ذابلة وتهديها
لامرأة تخون حبيبها
هي لا تخون، هي تعبّر عن نقصه
فكن رجلا شاعرا
وقلْ لها: تقبّل النسيان .

وأنت تسير بعيدا عن الحبّ
لا تنس أن تقطف حقيقة مزيفة وتهديها
لواقع يصلي في المقبرة
هو لا يصلي، هو يحفر قبرك
فكن رجلا حقيقيا
وقلْ له: تقبّل العدم .

وأنت تسير بعيداً عن الغياب
لا تنس أن تقطف حقيقة صادقة وتهديها
لواقع يخون أبناءه
هو لا يخون، هو يعبّر عن خيالهم
فكن ابناً عاقاً
وقلْ له: تقبّل الموت .

(شاعر عراقي)

 

الكيلاني عون.. كانت الحرب بلا أذنين

 

 

 سمعنا الناس

سمعوا أننا نرسم قلوباً بدل البنادق

وأننا محونا المجازر من ذهن المدارس

وحرقنا صور الدبابات ونكات المحاربين البذيئة

وخلَّصنا بقرة النوم من طين الأرق

وأهدينا لكل عاشقٍ وردة وبرتقالة

سمعنا الناس

لكن الحرب كانت بلا أذنين.

(شاعر وتشكيلي ليبي)

 

 

حمدان طاهر المالكي.. مثلما يحدث في الأفلام المرعبة

 

عن الحرب

عدت كثيرا إلى الخلف
كما لو أن أحدهم
دفعني فسقطت
لم تكن هناك بئر
ولم يكن للذئب فرصة
لأخذ دور الضحية

كنت وحيدا
أستلقي على وسادة صغيرة
التلفاز يبث خطابا للرئيس
يتحدث فيه عن بدء الحرب
ورغم أني لم أفهم شيئا
لكني شعرت بالخوف
فأسرعت إلى التلفاز
حاولت أن أوقف الخطاب
لكن يدي كانت صغيرة
حاولت رفع السلك الكهربائي
لكي لا يكمل الرئيس خطابه
وتنتهي الحرب عند هذه اللحظة
لكني لم أنجح
في المرة الأخيرة حاولت
الصعود على منضدة مرتفعة
كي أطفئ التلفاز
لكني سقطت
ومن يومها والحرب مستمرة
بالرغم من موت الرئيس !

 

مثلما يحدث

هناكَ من ينتظرُ البرابرة
وهناكَ من ينتظرُ المخلّص
البرابرةُ مشغولونَ بقطفِ الرؤوس
مشغولونَ بالفراديس
مشغولونَ بالفتوحات
مشغولونَ بذكرِ الدم .
تقولُ الروايةُ سيأتي المخلّص
وسينتهي ليلٌ طويل
تقولُ الروايةُ الكثيرَ الكثير
أنا مع المخلّص
لكن ما أخشاهُ أن يأتي
بعد النهايةِ بقليل
مثلما يحدثُ في الأفلامِ المرعبة !

 

 

 

منير عوض.. كيف ترك الناس أعينهم؟

وطن أضيق من عين إبرة
أصغر من حلم نملة
أرخص من سروال مومس..
الحياة فيه غير صالحة للحياة!

حين يخرج من بيته
يغتال باسم الدين
حين يخرج من حلمه
يغتال باسم القبيلة
حين يخرج من أمسه
يغتال باسم المشيئة.

حين يخرج من يومه
يغتال باسم السياسة.

وطن يحضر فيه كل شيء
ويغيب الإنسان.

حتما سيكبر الأطفال
وسيدركون جيدا بأن الوطن لا وجود له
عدا في الكتب المدرسية.

وطن هذا أم جنازة
سياسيون أولئك أم نائحات أجيرات
شهيد ذلك أم بقعة دم
راية تلك أم سروال سجين

كيف ترك الناس أعينهم في منازلهم
وجاؤوا
كيف لامسوا السماء
وأقنعوا الرب
بضرورة أن تبقى الأرصفة كما هي
حكرا على الملائكة !

(شاعر يمني)

 

أكرم الأمير.. كيف يمكنني أن أقنع الكرسي

 

كرسيٌ في الحديقةِ العامة

أجلسُ على الكرسيِّ وأكتب بأقصى سرعة
كما لو إنّي سيارة إسعافٍ تحملُ عبارة مصابة
أتجنبُ نقاط التفتيش التي تختم السطر
والنقاط التي تبدو على هيأة عبوات ناسفة
العبارة كانت:
(الوردة موطن الألغام)
حين كتبتُها
كنتُ أجلسُ على الكرسي
وأنظر الى دودةٍ على ساقِ الوردةِ
المُرصعِ بالشوك.

 

بعدها بقليل
رأيتُ امرأة بثوبٍ أسود
تُمسك ورقةً ممزقةً وقلماً
فرسائل الجنود التي تدخل حقل الألغام
تخرجُ منه ممزقة
مثل لعبة الكلمات المتقاطعة
هكذا هُم الجنود أيضاً
تخرجُ أجسادهم بأكثرِ من ظل،

 

ورأيتُ صديقاً قديماً
كان عائداً من الجبهةِ
بيدين سليمتين
أنا أتحدثُ عن النصفِ الممتلئِ من الكأس.

 

الآن، وبعد كل هذه الألغام
كيف يُمكنني أن أقنع الكرسي الذي أجلسُ عليه
بأن لا تتحول أرجلهُ إلى عجلات!

(شاعر عراقي)

 

فرج بشير أبو شينة.. ظلّ حامل للسرّ

 

ورأيتُ

 

ثلاثة أنفار

بوجوه مُلثمة

 

يعبرون الليل:

الأول يحملُ فأسا

الثاني يحملُ سلاحا

الثالث لا يحمل شيئاً.

 

ظلّ اثنان:

واحد يبني حفرة

آخر يصنع جثة.

 

ظلّ واحد:

ليحمل السّر.

(شاعر ليبي من أعماله: «العالم يستبدل ثيابه» و«نزاهة السم» ومرافعة ضد النوم»)

 

 

حسان العوض.. في قريتي

 

 -1-

في قريتي ساقيتان: شرقية وغربية.

الغربية أو الفرنسية جفّت منذ سنوات غير مأسوف عليها كونها مما خلفه الاستعمار الفرنسي الغاشم.

أما الشرقية فما زالت تتحرك بفضل الصرف الصحي لشعب القرية الغشيم.

 -2-

في قريتي ثلاث مدارس، تحمل كل واحدة منها اسم شهيد من شهداء القرية.

وبالرغم من ذلك ما زال أربعة شهداء آخرين ينتظرون بناء مدارس جديدة.

 -3-

في قريتي مقبرتان: قديمة وجديدة.

المقبرة القديمة وبعد أن درست تم تحويلها إلى حديقة.

الجديدة أوشكت أن تمتلئ، وقرر أن يتم الدفن بعد ذلك في مقبرة المدينة.

صار في قريتي حديقتان أو حديقة ومشروع حديقة.

 -4-                            

في قريتي ثلاثة مجانين: عزّو وعبدو وعباس.

أحد شبان القرية أعطى عبدو قطعة نقدية بعد أن طلب منه أن يشتم المختار أمام مخفر الشرطة.

كان عبدو ينوع الشتائم ويترنّم بها عندما ألقى عليه القبض شرطي.

أرسل عبدو إلى سجن في مدينة مجاورة.

لم ينقص مجانين القرية واحداً، بل زادوا اثنين: أبو عبدو وأم عبدو.

 -5-

أبو سعيد أطول رجل في القرية، وجاره وصديقه الحميم أبو نجيب أقصر رجل في القرية.

مصادفة مدهشة حقاً، لكن المدهش أكثر هو أن سعيداً أقصر شاب في القرية، وصديقه الحميم نجيباً أطول شاب في القرية.

 -6-

في قريتي عائلتان يطلق على إحداهما لقب الضبع وعلى الثانية لقب البطل، مع أن سبب اللقبين واحد فجد العائلة الأولى قتل ضبعاً فلُقِّب بالضبع، وجد العائلة الثانية قتل ضبعاً أيضاً لكنه لقب بالبطل.

ما يشتتني هذه الأيام… ليس كيف سأقتل الضبع الرابض في أرضي، وإنما بماذا ستُلقّب عائلتي؟

(كاتب قصة سوري)

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى