الرأي

الأصول العشرة للتخلف

بقلم: خالص جلبي
في الطب يعرف الأطباء شيئا اسمه التناذر (Syndrome)، وهو مجموعة من الأعراض والعلامات إذا تزامنت عند مريض في وقت واحد، قيل عنه إنه مصاب بالمرض مثل المنغولية التي تتصف بعينين تذكران بتيمورلنك وهبل في الوعي. وينطبق هذا على المرض الاجتماعي، فإذا اصطبغ بحزمة من الأعراض أخذ لقب التخلف. وهي عشر صفات وهي عينات من بقاع شتى من العالم العربي، كما هو الحال في المرض المشترك وتباين الشدة:
(1) الأصل في (الإنسان) الإدانة، (2) والأصل في (الوقت) الإضاعة، (3) والأصل في (الأشياء) الحرمة، (4) والأصل في (الأصوات) القباحة، (5) والأصل في (اللباس) القذارة، (6) والأصل في (العمل) عدم الإتقان، (7) والأصل في (العقل) الجهل، (8) والأصل في (المكان) عدم البيان، (9) والأصل في (المعاملة) المقاتلة، (10) والأصل في (المرأة) العزل والإهانة. فهذه سيمفونية رائعة تذكر بحفلة تعذيب في أقبية الاستخبارات. (1) فأما (الإنسان)، فهو متهم حتى تثبت براءته، موسوم بالخوف يوم ولدته أمه ويوم يموت ويوم يبعث حيا. وحتى القبر حولته الثقافة إلى غرفة تعذيب على يد منكر ونكير، بدل الإيحاء للإنسان أنه قادم إلى رب رحيم كتب على نفسه الرحمة.
(2) وأما (الوقت)، فمواعدنا بعد صلاة العشاء بما يمط الزمن حتى مطلع الفجر. وأما موعد الإنجاز فمعلق بكلمة سحرية، إن شاء الله. وهي مقلوبة من أصلها القرآني «ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا»، بل يجب إنجازه اليوم. ومع أن الحديث يشير إلى النفاق بإخلاف الموعد والوعد، ولكننا نخالف ذلك ونطلق على أنفسنا صفة التقوى.
(3) ومع أن (الأصل في الأشياء الإباحة)، إلا أننا حولنا الحياة إلى سلسة من المحرمات، فأصبح أصل الأشياء الحرمة وتحتاج إلى رخصة مرور تحت القانون الميمي الثلاثي: ما في، ممنوع، ما يصير. في منظومة محرمات في أعلاها السياسة، ولكن أليس كل الحياة سياسة؟ وأيهما أهم موضوع إطلاق اللحية، أم آلية نقل السلطة السلمي؟
(4) ومع أن الرسول (ص) تأثر من جمال صوت أبي موسى الأشعري حين تلا القرآن، ولكن هناك من يرى أن هذا فتنة، ويجب إيقاظ الناس لصلاة الصبح بما يرعبهم. أو أن الموسيقى حرام، وهي التي تتهادى الروح مع أنغامها.
(5) ومع دخول حدود بعض بلدان العالم العربي يواجه المواطن أربعا: القلة والذلة والوسخ، ويتنفس جزيئات الهواء عابقة برجال المباحث. أو الثالوث المقدس في السياسة في صور شاهقات لبشر فانين. ومما رأيت في بلد خليجي أمام مدرسة ثانوية، تم قطع ست عشرة شجرة خضراء بدعوى الحساسية. ويلقي الشباب بالقاذورات، ولو كان حاوي القمامة على بعد خطوات. وهناك حرص على نظافة البيوت داخليا، في الوقت الذي يبقى الشارع العام قذرا، في ما يشبه الانتقام من مجتمع لا ينتمي إليه الفرد. وكما يقول مالك بن نبي، الحضارة ليست بالغنى بل النظافة، ويمكن للفقير أن يلبس أسمالا ولكنها نظيفة، فلا تفوح القذارة من الثياب ومن البدن رائحة التعرق، وهي لا تتطلب أكثر من الماء. وثيابك فطهر.
(6) وعندما تسلم سيارتك للتصليح، يجب أن تُغش مرتين بعدم الإتقان وبهدلة الفرش بالشحم، فالنظافة لا دخل لها في العمل. ينطبق هذا على كل شيء. فإذا دخل العمال إلى البيت للإصلاح تحول إلى مزبلة. وهل يعقل أن سدا في سوريا كلف مليارا وعمره لا يزيد على ست سنوات أن يصاب بالشيخوخة وينهار كما انهار سد مأرب (كما رأينا في سد زيزون في سوريا). ما يذكر بمرض البروجيريا فترى من عمره ثماني سنوات، مقوس الظهر، وكأنه ابن الثمانين يموت بانفجار الوتين. «ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور»، ولكن أي كفر هذا الذي حصل؟
(7) وأما (العقل) فهو محاصر بأسوار من النقل، وأما الاجتهاد فكان حجرا محجورا. وهو يفسر لماذا كانت رياح الإنتاج المعرفي شمالية غربية، وليس من الشرق إلا رياح السموم، تدمر كل شيء بأمر ربها.
(8) وأما (المكان) فحيثما سار الإنسان يجب أن يسأل، فالشوارع بدون أسماء، والبيوت بدون أرقام. وإذا وضعت أسماء الشوارع زينها الموظفون بأسماء شخصيات متشابهة، مما يجعل الناس تتفق على تسمية من عندها. كما رأينا في السعودية شارع الستين والأربعين، وهي بأسماء أمراء تتعب من سردهم المتشابه (عبد الله بن بن بن بن!).
(9) ومع كل نزول إلى الشارع يجب أن يكتب الإنسان وصيته، فقد تحولت الشوارع إلى ساحات حرب، وهي مؤشر على أخلاق الإنسان الفعلية خلف مقود السيارة، حينما يستوي على ظهره وبدل أن يقول سبحان الذي سخر لنا هذا من يد الأمريكيين والألمان، لا يحسن استخدام ما تعب الآخرون في صناعته.
(10) وأما المرأة فقد وئدت على نحو جديد، ويجب أن توضع في علبة كبريت، وأهم قضية في الدين هي اللباس، ويغلق عليها لأنها رأس الفتنة، وليس هناك من فتنة على الرجال أكثر منها، وأكثر أهل النار النساء، وهي قاصرة عقل ودين تحتاج إلى الوصاية. وفي بطاقات الزفاف تزف (كريمة) فلان على فلان، فليس لها اسم ويتم تبادلها مثل البضائع. ولكن هل يمكن للإنسان أن يرى بعين واحدة ما لم يكن أعور، أم هل يستطيع أن يقفز بساق واحدة كما في أسطورة شق وسطيح؟
مشكلة التخلف أنها مثل القصر علة وراثية لا توجع صاحبها، ولكن هناك من يعالجها بلبس بدلة طويلة.

إقرأ أيضاً  في الدفاع عن الذاكرة

الحضارة ليست بالغنى بل النظافة، ويمكن للفقير أن يلبس أسمالا ولكنها نظيفة، فلا تفوح القذارة من الثياب ومن البدن رائحة التعرق، وهي لا تتطلب أكثر من الماء

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى