الرأيكتاب الرأي

الاحتفال باللغة العربية

خالص جلبي
أصدرت «الجمعية العامة للأمم المتحدة»الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 18 دجنبر 1973 قرارها رقم 3190، والذي يقر بموجبه إدخال «اللغة العربية»اللغة العربية ضمن «لغات رسمية في الأمم المتحدة»اللغات الرسمية ولغات العمل في «الأمم المتحدة»الأمم المتحدة. نحن نفرح بهذا من ننطقها ونعشقها وتدخل في تلافيف دماغنا، ولكن في المغرب حركة مناهضة تماما لهذا في محاولة فرنسة الأمة وهذا هو الاستعمار الفعلي. هنا ليس حضور الجنود والمدفعية الثقيلة، بل الدخول إلى ثقافة الأمة محوا وتجهيلا من خلال مسح ذاكرة الأمة. لنتصور أن شخصا نام واستيقظ ولم يعد يتذكر من هو وأين وما هو الوقت والمكان. هذا ما فعله بالمناسبة المسخوط أتاتورك، حين مسح الحرف العربي ففقد الأتراك ذاكرتهم بين ليلة وضحاها.
تعد العربية من أقدم  «لغات سامية»اللغات السامية، وأكثر لغات المجموعة السامية تحدثا، وإحدى أكثر اللغات انتشارا في العالم، يتحدثها أكثر من 467 مليون نسمة ويتوزع متحدثوها في المنطقة المعروفة باسم  «الوطن العربي»الوطن العربي، بالإضافة إلى العديد من المناطق الأخرى المجاورة، وهي من بين اللغات الأربع الأكثر استخداما في الإنترنت، وكذلك الأكثر انتشارا ونموا متفوقة على الفرنسية والروسية. اللغة العربية ذات أهمية كبيرة لدى المسلمين، فهي لغة «القرآن»القرآن، ولا تتم الصلاة في «إسلام»الإسلام إلا بإتقان بعض من كلماتها. فيها خاصية «ترادف»الترادف، «ضد (توضيح)»والأضداد، «مشترك لفظي»والاشتركات اللفظية وتتميز بظاهرة المجاز والطباق والجناس والمقابلة والسجع والتشبيه وفنون اللفظ كالبلاغة والفصاحة.. لقد ذهب محمد إقبال إلى أن ما سيخلد من لغات هي العربية، لارتباطها بالقرآن. واللغة هي روح الأمة ففي الوقت الذي قام فيه الكيان الصهويني بنفخ الروح في لغة ميتة، ففي دول الخليج يتم قتل العربية لاستبدالها بلغة ريتشارد قلب الأسد الصليبي.
لقد عشت هذه المحنة في السعودية يوما، حين كنت استمع يوما إلى حوار بين طبيب نيجيري ومريض سعودي، وهو يسأله عن شكواه فكانت مسرحية كوميدية تعجز عنها الأوبرا الفرنسية. لأن السعودي كان يتكلم باللهجة المحلية وليس بالعربية الفصحى. والطبيب النيجيري يشتغل عقله على ثلاث موجات لفهم الكلمات بثلاث ترجمات: الأولى من العربية إلى الإنجليزية، والثانية من العربية باللهجة المحلية إلى الفصحى، والثالثة من لغة الثقافة إلى لغة المصطلحات الطبية، لا ننسى لهجة النيجيري التي هي أشبه بقرع الطبل، أما الهندي فهزة الرأس تيكي تكي! فعليه أن يعرف أن كلمة (حمّ) هي ارتفاع الحرارة، وأن (الكتمة) هي ضيق النفس، وعليه أن يفك سر كلمة (الفحمة) التي تعني السواد باللغة العربية، ولكنها شكوى عند المريض في قلبه. ونفس النيجيري أو الهندي وهم كثر في المملكة يتكلمون الإنجليزية بطريقتهم الخاصة، وهذا معناه أنه يجب إضافة ترجمة رابعة إلى الترجمات الثلاث السابقة من إنجليزية ويلز ونيويورك إلى الإنجليزية النيجيرية أو الإنجليزية الهندية. كنت أراقب هذه الكوميديا وأتذكر رحلتي للاختصاص في ألمانيا ومعهد غوته لتعلم اللغة الألمانية. كنا نقرأ الإعلانات تقدم عروضا للأطباء الأجانب كما هو الحال في المملكة، ولكن كانوا يكتبون في الإعلان بشكل واضح أن شرط الفوز بالوظيفة هو (التمكن من اللغة الألمانية كتابة ونطقا). وأول ما بدأت رحلتي هي بإمساك مفتاح كل الأبواب، أي اللغة فمن نطق الألمانية فتح المجتمع الألماني كل أبوابه أمامه. وهكذا ذهبنا إلى دورة مكثفة في معهد (غوته) في الجنوب الألماني. وكان يمكن في المملكة أن تنشئ معاهد للغة العربية كشرط لعمل أي قادم إلى المملكة. ونحن في ألمانيا نطقنا الألمانية في ثلاثة أشهر وتمكنا منها في ستة أشهر واعتلينا صهوة البيان في ثلاث سنوات. وما زلت أستفيد من اللغة الألمانية في الثقافة أكثر من الطب. والواقع أن المملكة لو اعتمدت سياسة التعريب ببطء لنشرت اللغة العربية في العالمين، فهناك ربما ستون جنسية في البلد. والاتصال هو ميزة بني آدم فلا يمكن أن يعالج طبيب مريضا إذا لم يفهم عليه، ولا يمكن استقدام ترجمان في كل مرة ومكان. واليوم يشتغل الواقع بطريقته الخاصة فإذا لم تعلم الناس العربية الجيدة فلسوف ينطقون العربية المكسرة. وهكذا ولدت لغة في المملكة هي عربية وعجمية في الوقت نفسه. وهي من أعجب الكلام. فالعامل البنغالي مثلا يقول: أنا في كلام أنت في مفهوم. يقصد أنه يتحدث وأن الآخر فهم عليه. وعندما يراجع الإنسان تاريخ قوة اللغات من ضعفها وانتشارها من انقراضها، فإن هذا يرجع إلى قوة الحضارة. واليوم تظهر قناة الديسكفري لغات لم يعد يتكلم بها أكثر من 150 شخصا، كما في لغة المايا في غواتيمالا. وتنقرض عشرات اللغات في السنة، فلا يبق إلا الأفراد الذين يتكلمون بها. وهناك حاليا ستة آلاف لغة على وجه الأرض في سبعة مليارات من البشر، ولكن بعد نصف قرن قد لا يتبق إلا المئات منها. وقصة اللغة العربية تحكي قصة التفوق الحضاري أو الهزيمة. وابن خلدون في المقدمة عقد فصلا عجيبا بعنوان فصل في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. ويعلل ذلك ابن خلدون أن «النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها، ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه. وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم، كيف تجدهم متشبهين بهم دائما وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم»، ثم يروي ابن خلدون كيفية سريان هذه القاعدة على تقليد الناس لأهل الحاميات العسكرية، فيقول: «وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان، لأنهم الغالبون لهم». ثم يستشهد بواقعة من هذا النوع لاحظها في أهل الأندلس في زمانه، فيقول: «كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوا ئدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل والجدران والمصانع والبيوت، حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر لله»، وكلام ابن خلدون ينطبق على موضوع اللغة. وجامعة دمشق حاولت تعريب الطب، ولكنها دخلت معركة خاسرة. أما البعث الطائفي فقد قتل الإنسان والزمان والمكان والبيئة والعلم واللغة. واليوم تزحف اللغة الإنجليزية عبر الإنترنت في كل العالم، ومن لم يتصل باللغة الإنجليزية والإنترنت أصبح خارج التاريخ. وتلك الأيام نداولها بين الناس.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق