الرأيعن كثب

التحدي

يؤكد العديد من خبراء الصحة العالميين أن شهر أبريل الحالي سيكون حاسما في تقرير مصير البشرية. حيث يعولون كثيرا على الإجراءات المتخذة على صعيد كل دولة لمحاصرة الوباء القاتل في هذا الشهر، على أساس فرضية وهي أن ارتفاع درجة الحرارة يضعف فيروس «كوفيد 19»، وهو الأمر الذي سيحدث ابتداء من شهر ماي.
هذه الفرضية، وفي ظل غياب فهم علمي دقيق للفيروس، تحولت إلى مصدر أمل كبير للشعوب والدول، لأن المآسي التي تحدث كل يوم في دول أوروبا وأمريكا أكبر من أن يستوعبها عقل سليم. فإذا كان المغرب، وبفضل الإجراءات الاستباقية التي اتخذها حاصر حتى الآن انتشار الوباء، وأثبت قدرته على التفكير باستقلالية عن المنظمات الدولية وشركائه الأوروبيين، فإنه يتوجب عليه ألا يبني كثير الآمال على الفرضية سابقة الذكر، بل عليه أن يضع مختلف السيناريوهات ويعد لها العدة، بما في ذلك استفحال الوضع الوبائي في شهر يونيو أيضا.
وإذا علمنا أن امتحانات الباكلوريا في المغرب، أو ما أسماه خطاب ملكي سابق، «عُقدة الباكلوريا»، لطالما تم تدبيرها بهواجس أمنية متضخمة، فإن التخطيط لمختلف السيناريوهات هو أمر ينبغي الشروع فيه فورا، لأن أي ارتباك يمكن أن يحدث ستنتج عنه كوارث حقيقية لن تقف تداعياتها عند مجال التربية. فإذا كانت فرنسا قررت رسميا إلغاء الامتحانات الموحدة للمستويين الإعدادي والثانوي، والاكتفاء، في المقابل، بنقط المراقبة المستمرة، فإن هذا الحل له وجهان في حال تبناه المغرب.
أولا: أن كل التقييمات التي خضعت لها عمليات المراقبة المستمرة، سواء محليا أو جهويا أو مركزيا، أثبتت أنها نقط غير موضوعية، بل وعبثية أحيانا. فما كان خاصية للقطاع الخاص، ونقصد تضخيم نقط المراقبة المستمرة، أضحى أيضا خاصية للقطاع العام، بدليل قرار وزارة التعليم العالي قبل سنوات اعتماد نقط الامتحانات الموحدة فقط، لكون المراقبة المستمرة لا يمكنها أن تعطي مؤشرات جدية وذات مصداقية حول مستوى التلاميذ، سواء معرفيا أو مهاراتيا. وما تشبث أغلب الأساتذة بها، إلا دليل على أن المراقبة المستمرة أضحت آلية لضبط التلاميذ وليس آلية لمواكبة بناء التعلمات وتنمية المهارات. مع الإشارة، هنا، إلى أن سيناريو الامتحانات عن بعد يعد خياليا تماما، بسبب العدد الكبير للمترشحين للباكلوريا، والذي يناهز نصف مليون مترشح. ثم بسبب تفاوت الإمكانات المادية والمالية للتلاميذ المغاربة. فإذا كان هؤلاء لا يستفيدون الآن على قدم المساواة بالتعليم عن بعد، فكيف يمكن ضمان مرور «الامتحانات عن بعد» في ظروف عادية.
ثانيا: ينبغي استغلال هذا المأزق الذي نوجد فيه الآن، لتفكيك ما أسماه الخطاب الملكي كما قلنا «عقدة الباكلوريا»، وهي عقدة نفسية وأمنية وتدبيرية تستنزف الدولة والشعب معا. بل وتحولت إلى مدخل للفساد المالي مركزيا وجهويا ومحليا. صحيح أن هذا التفكيك هو رهان على المستوى البعيد، لكن أولى الخطوات التي ينبغي التفكير فيها عاجلا، هي وضع معايير جديدة للمراقبة المستمرة بشكل يضمن موضوعيتها ومصداقية نقاطها. لأنه من المحتمل جدا أن يجد المدرسون أنفسهم مجبرين على تقييم التلاميذ، شفويا عبر منصات التواصل الرقمي أو كتابيا عبر امتحانات منزلية، وسيكون على هؤلاء المدرسين وضع امتحانات تركز على الكفايات المنهجية والتواصلية، على أساس أن المباريات التي ستنظم لولوج مؤسسات التعليم العالي ذات الاستقطاب المحدود هي المحك الحقيقي.
نحن، إذن، أمام سيناريوهين بعنوانين كبيرين: أن تعود الأمور كما كانت، ويتم تنظيم امتحانات الباكلوريا بشكل عادي. وهذا السيناريو، وإن كان مطمئنا، فإنه ينبغي أن لا نغفل حقيقة أن نظام الباكلوريا الحالي انتهت صلاحيته، وينبغي تجديده فورا. أما السيناريو الثاني فهو أن يسوء الوضع الوبائي، وبالتالي ينبغي اعتماد المراقبة المستمرة، ولكن بمعايير جديدة تضمن الحد الأدنى من تكافؤ الفرص والموضوعية. وهذا السيناريو ينبغي التفكير فيه فورا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق