الرأيعن كثب

التربية النفس- حركية

المصطفى مورادي
يبدو جليّا، من خلال التهميش الذي تعانيه مادة التربية البدنية داخل المؤسسات التعليمية، أن المتخيل المجتمعي غالبا ما ينظر إليها كمادة تكميلية أو كمجرد «تسلية وتزجية للوقت»، لكن هذه المادة، التي لها خصوصيتها، تعتبر في كل الدول المتقدمة مادة حيوية وأساسية، خصوصا في الدول التي تراهن على الرأسمال البشري. فإلى جانب أدوارها الصحية ومساهمتها في اكتساب مجموعة من القدرات والمهارات الحركية والرياضية، نجد دورها في التربية على المواطنة، فهي تساهم في تعلم الوظائف والأدوار الاجتماعية واكتساب مجموعة من القيّم، من قبيل احترام القواعد والقوانين، واحترام الآخر والذات والتحكم فيها، وهي قيّم أساسية في تكوين مواطن متوازن. فإضافة إلى ما سبق نجد، أيضا، ترسيخ ثقافة المجهود للوصول للنتائج ثم ثقافة التطوع والروح الرياضية، ناهيك عن مجموعة من المكتسبات الضمنية، على غرار القدرة على التركيز والصبر، إضافة إلى الإحساس بالمتعة والراحة الجسدية، وثقافيا، تساهم حصص التربية البدنية والرياضية في تنشئة ممارس للأنشطة الرياضية ومستهلك متنور بالنسبة إلى السوق الرياضية، سواء كمتفرج أو مستعمل للبنيات أو كمستهلك للوازم الرياضية.
ما يجب التركيز عليه، هنا، هو بعض الأخطاء الشائعة داخل مجتمعنا، والتي تعتبر مُدرّس التربية البدنية مدربا أو مدرسا للرياضة، وهذا الخطأ لا نجده فقط عند التلاميذ، بل حتى عند بعض الأطر الإدارية، فما تنبغي معرفته هو أن للمادة أهدافها ومحتوياتها وطرق تقويمها، والتي توظف الأنشطة البدنية والرياضية المتنوعة، بعد تحليلها ومعالجتها ديداكتيكيا، كوسيلة لتحقيق مجموعة من الغايات والأهداف التربوية. كما أن اكتشاف التلميذ هذه الأنشطة، التي تشكل مجالا للثقافة المعاصرة، يتم استثمارها حسب خصوصية كل نشاط رياضي، والذي يستلزم مجموعة من العلاقات والتكيفات تجاه الوسط الفيزيقي والبشري وتجاه الذات.
فهذه الأنشطة تُمكّن التلميذ من الإحساس والوعي بجسده والتعرف على ذاته، من خلال ثلاث غايات أساسية، أولا تنمية القدرات اللازمة للسلوكات الحركية، ثانيا اكتساب معارف مرتبطة بالأنشطة البدنية والرياضية وثالثا من خلال امتلاك المعارف المرتبطة بتدبير الحياة البدنية. ومقارنة بباقي المواد الدراسية، فإن التربية البدنية والرياضية تستطيع، أيضا، ومن خلال تنوع التجارب الفردية والجماعية، التركيز على التربية على الصحة والتربية على السلامة والتربية على التضامن.
إن الأنشطة البدنية المقترَحة عديدة، فالتلاميذ يجدون أنفسهم في وضعيات تربوية متنوعة ويكتشفون الأنشطة الرياضية التي بإمكانهم ممارستها بعد مرحلة التمدرس، وهذه الأنشطة تعتبر مناسبة للتلميذ ليدخل في علاقة مع العالم الفيزيقي ومع الآخرين ومع ذاته، ففي ما يخص علاقته بمحيطه الفيزيقي، يتعلم التلميذ تعبئة موارده وتنميتها لبلوغ درجة مهمة من الفعالية في الإنجاز في ظروف تتّسم بالسلامة والأمان، كما يتمكن التلميذ من استيعاب الأبعاد الأرضية والهوائية والمائية للسلوكات الحركية، ففي الجمباز، مثلا، نجد أن التلميذ يعيش حالة انفعالية بأدائه سلسلة من الحركات تتّسم بالتنسيق والجمالية. هكذا يظهر أن الساعات التي يقضيها التلميذ في حصص التربية البدنية ليست عبثا، فهي تساعده على مواجهة الحياة، كما تساعده على القيام بتدبير جسده كرأسمال صحي، وعلى أن يهتم بجماليته وأن يعيشه كمنبع للمتعة واللذة والسعادة، وأن الاهتمام بالتربية البدنية يفرض على المدرّس أن ينطلق من الانشغالات المرتبطة بجسد التلاميذ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق