الرأي

«التلفة»

درشول

 

 

كتب لي أحد قراء «مشاهدات عابرة» على صفحتي على «فيسبوك» سائلا: «أستاذة شامة، ما رأيك في قضية الصحافي توفيق بوعشرين؟ لم تنشري أي شيء عن الأمر على صفحتك، وأريد أن أعرف وجهة نظرك وسط كل هذا الجدل».

بالصمت نفسه الذي قابلت به ما بات يعرف بـ«قضية الصحافي بوعشرين»، قابلت تساؤل هذا القارئ، وحين سألتني قريبتي عن رأيي في ما يحدث، اكتفيت بالرد عليها بأنها «قضية مؤلمة»، ولا أعتقد أننا نستطيع الكلام حين نشعر بالألم. أصرت قريبتي على أن تخرج مني كلمات أكثر فأجبتها بأني لا أريد الخوض في الحديث عن هذه القضية، وأنني ذات يوم سأستلهم من أحداثها فكرة لرواية، لفيلم سينمائي، لمسرحية، لأي عمل فني يكشف ما تفادينا الحديث عنه حين تفجرت هذه القضية، وهي أنها قضية حاكمنا فيها الجميع، المخزن، الصحافة، النساء، القضاء والشرطة..، ونسينا أن نحاكم أهم شيء في هذه «القضية المؤلمة»، وهي «التلفة».

علينا أن نعترف بأننا شعب «تالف»، لا يعرف ماذا يريد، ولا كيف يصل إلى ما يريد، ولا كيف يتفادى ما لا يريد.

شعب يريد الديمقراطية، ولكنه لا يريد الذهاب إلى مراكز التصويت للإدلاء بصوته في الانتخابات.

شعب يريد الحرية، لكنه لا يعرف أن الحرية تبدأ من «دخل سوق راسك»، وأن تتوقف عن «لحضيا والتبركيك».

شعب يريد أن يصبح مثل السويد، لكنه لا يعرف أن السويد بلد 85 في المائة من شعبه ملحدون.

شعب يريد أن يصبح مثل أمريكا، لكنه لا يفهم أن أمريكا مصنع كبير، يعبد العمل ويرفع شعار« marchez ou crevez».

شعب يريد أن يصبح مثل كندا، لكنه لا يعرف أن في كندا مواطنين يلتزمون بدفع كل أشكال الضرائب التي تفرض عليهم، ويدفعونها بصدر رحب ليس لأنهم أثرياء، بل لأنهم يحبون بلدهم. شعب يحلم نصف سكانه بالهجرة من أجل بناء أوطان الآخرين، ولا يتوانى في التكاسل عن بناء وطنه الأم.

شعب يتذمر من كل شيء، ويعشق جلد الذات بشكل مرضي.

شعب يفتخر بشعوب لم تمض على ظهورها إلا عقود، وينسى أن له على هذه الأرض تاريخا بني منذ قرون.

شعب يفتخر بإنجازات باقي الشعوب، ويجهل إنجازات بلده وأبنائه.

شعب يفتح باب بيته للغريب، ويقفله في وجه الحبيب.

شعب يحارب الحب، ويتساءل عن السبب وراء انتشار العنف.

شعب يطالبك بالتوقف عن الحلم ويجهل قوة الحلم في بناء أوطان قوية.

شعب يحارب الطموحين، والناجحين والعصاميين، ويتملق للمتسلقين والمنافقين.

نحن شعب «تالف»، وهي حقيقة يجب أن نواجهها حتى نسترشد الطريق الأسلم لنا، فلا أحد سيصل للوجهة التي يريد وهو لا يعرف ماذا يريد، ولا من يكون.

للإنجليز تعبير جميل أستعمله كثيرا:»what you see, what you get» .

بمعنى ما تراه على وجهي، هو ما أشعر به فعلا، وما أشعر به فعلا هو ما أفكر به فعلا، وما أفكر به فعلا هو ما أقوله فعلا. لذلك لا داعي لأن تحتار وتفكر كثيرا إذا كان ما تراه هو فعلا ما أقوله، هو فعلا ما أقصده، هو فعلا ما أشعر به، هو فعلا ما أفكر فيه.

فقط تخيل أنك تضطر لتعيش هذا الوضع لعشرات المرات في اليوم، تلتقي بأناس وعليك أن تجعلهم يأخذون منك ما تقوله، دون أن يكون ما تقوله هو فعلا ما تعنيه، هو فعلا ما تفكر فيه، هو فعلا ما تشعر به.. تخيل أنهم هم أيضا يتعاملون معك بالطريقة نفسها، تخيل أننا نعيش هذا الوضع منذ عقود، ونعيشه مرات كثيرة في حياتنا، نعيشه مع أزواجنا، أبنائنا، أحبابنا، أصدقائنا، جيراننا وزملائنا، مع المقربين ومع الغرباء.

تخيل كل هذا، ولا تنس وأنت تتخيله، كم الوقت، وكم الجهد وكم الطاقة التي نهدرها في حياة أخرى ليست هي الحياة التي نريد فعلا أن نعيشها، وأننا بسبب «التلفة» وضعنا أنفسنا في سجن متنقل، ووضعنا فيه الآخرين، وكل من يريد أن يتحرر من هذا السجن ويرفع شعار what you see is what you get  يصبح منبوذا، فقد زعزع تعايشنا الطويل مع «التلفة»، حتى بات أهم سؤال يطرح في «قضية بوعشرين»: «واش بصح الفيدوات كاينين؟»، «واش بصح المخزن قرقب عليه؟»، «واش بصح دار دكشي؟»..، في حين أن التساؤلات الحقيقية التي كان يجب أن تطرح في هذه «القضية المؤلمة»، لم تطرح. لم تطرح، لأننا شعب «تالف»، ولا يوجد شعب «ضارباه تالافة»، سيقوم بطرح الأسئلة التي يجب طرحها، لأن الشعب الذي يعرف ما يريد، هو شعب لن يبحث عمن يعلق عليه أخطاءه.

أنهي «التلفة» بنكتة طالما رددتها لأتحدث عن عدونا الأول «التلفة»، عن حلم شاب مغربي، يشرب الخمر، ويدخن سجائر التبغ والحشيش، يعاشر كل أنواع النساء، لا يصلي، لكنه لا يأكل لحم الخنزير، ويحلم بأن يتزوج سويدية ليدخلها الإسلام…

دخلتي ليه انت بعدا يا «ولد التلفة»!؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى