الرأي

التنجيم حول نهاية إسرائيل

بقلم: خالص جلبي

كثرت النبوءات حول نهاية إسرائيل فمنهم من قرأ النجوم وحدد السنوات، والشيخ ياسين حددها بعام 2022م على أساس فكرة ابن خلدون حول نهاية الدول مع الجيل الثالث، باعتبار أن الجيل هو أربعون سنة، كما جاء في سورة «المائدة» عن تيه بني إسرائيل بأربعين عاما، حتى يخرج جيل لا يعرف العبودية ولسع السياط الفرعونية في ظهره! ودفعها الشيخ بسام جرار إلى سنة إضافية، فحدد 2023م على ما نقل عنه إن كان صحيحا. ومنهم من رجع إلى حديث شجر الغرقد، وأعترف شخصيا بأنني لا أعرف هذا النوع من الشجر، ولولا زيارتي إلى موضع سد مأرب ما عرفت الخمط والأثل وشيء من سدر قليل، ولم أفهم معنى الجنتين في الآية إلا هناك.
كثرت النبوءات عن سقوط إسرائيل الوشيك، ولكن إسرائيل لا تزيد إلا فجورا وعلوا. وكثرت من طرفين من داخل إسرائيل ومن خارجها، وهي في النهاية إلى بوار لأنها ولدت بالقوة، فكانت جسدا على كرسي كما في قصة سليمان. وهناك من ضرب بالرمل وقرأ الأبراج، وقال إن نهايتها هي عام 2030 ميلادي، وأعرف من شهود يهوه أنهم يتوقعون قرب حضور المسيح إلى العالم، كما هو الحال عند الشيعة المتربصين قرب السرداب لقدوم الإمام المختفي، وهي الأساطير المعوضة عن هزيمة تاريخية، فهي خير علاج. ومن الأشخاص الذين اجتمعت بهم في ألمانيا في مدينة (سيلب Selb) الألمانية الصغيرة، في الجنوب الشرقي من بافاريا، قال لي أحد أتباع هذه النحلة النشيطة: «إن عام 1978م سيكون عام الفصل له». وجاء العام ولم يحصل شيء! كما توقع الكثيرون من المؤمنين بنبوءات نوستراداموس نهاية العالم عام 1990م، حتى ألغى كوربان الفرنساوي، عارض الأزياء، حفلته في باريس، وهو مكتوف اليدين يحدق في الأفق منتظرا سقوط قبة السماء. ومما قرأت من المنجمين ما نقل عن المسيري رحمه الله، المختص في دراسة الصهيونية، أنه وضع عشرة مؤشرات لنهاية إسرائيل.
هذا ولقد نقلت (إيمان عبد المنعم) أن هذه المؤشرات العشرة ستكون مثل قارون الذي خسف الله به الأرض، وسردتها على النحو التالي:
(1) تآكل المنظومة المجتمعية للدولة العبرية، (2) والفشل في تغيير السياسات الحاكمة، (3) وزيادة عدد النازحين لخارج إسرائيل، (4) وانهيار نظرية الإجماع الوطني، (5) وفشل تحديد ماهية الدولة اليهودية، (6) بالإضافة إلى عدم اليقين من المستقبل، (7) والعزوف عن الحياة العسكرية، (8) وعدم القضاء على السكان الأصليين، (9) وتحول إسرائيل إلى عبء على الاستراتيجية الأمريكية، (10) نهاية باستمرار المقاومة الفلسطينية. وتمنيت أنا أن أصدق النبوءة الجديدة، ولكن السؤال الأصعب هو:
لو أن الله خسف الأرض بإسرائيل، هل ستكف فتح وحماس عن الاقتتال بحماس، أم هل ستعامل الدول الثورية مواطنيها بكرامة بدون حبوس وفلق، وقل أعوذ برب الفلق؟ أم هل ستتحول مصر إلى نموذج اليابان؟
وفي قناعتي كما أرددها بألف صورة وجملة، أن مشكلة إسرائيل عندنا، وهي نتيجة وليست سببا لمصائبنا، وأن الصراع العربي العربي هو الجوهري، وهو التناقض الرئيسي، وأن الصراع العربي الإسرائيلي هو الهامشي والتناقض غير الجوهري، وأن إسرائيل جاءت نتيجة لانهيار الجهاز المناعي العربي، مثل خراجات القيح في بدن مريض بسكري مختلط.
بل يرى المؤرخ توينبي أن إسرائيل هي رحمة من الله من أجل خلق التحدي في وجه العرب، كي يستيقظوا. وحاليا وسابقا لم يجتمع القادة العرب ويتحدثوا في ما بينهم كما يحصل مع مأساة غزة، ونرى اجتماع العديد من الساسة العرب والفقهاء والمفكرين والمتدينين والعلمانيين، وكلهم يقولون: «لابد من إيقاف مذبحة غزة». ولكن ما قتل ومات وغرق فوق جسر في بغداد يوما، كان أكثر من كل من قتل من الفلسطينيين في كل هجوم إسرائيلي.
وحملة الأنفال التي خاضها صدام ضد الأكراد، هي أكثر من كل من قتل من الفلسطينيين حتى كتابة هذه الأسطر. وعفوا فإن مذبحة حماة التي لا يذكرها إلا القليل وبحذر، كانت أفظع من كل فظائع بني صهيون، حيث مسحت نصف مدينة بالكامل، بدون تدخل أي طرف عالمي ولو بالأخبار، والناس تحصد بالصواريخ! وما فعله الأسد الابن فاق أبوه فقتل مليونا، ودمر معظم سوريا وحولها أنقاضا، وهرب نصف سكان سوريا إلى نصف دول العالم في الأقطار الأربعة.
فيا قوم هل يمكن أن نفتح عيوننا على فظائعنا؟ ونتفاهم ونرفع قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وننتبه إلى مواطننا ونرحمه، ونتصالح في ما بيننا ونتراحم، وندرك أن أعظم خطر يهددنا هو الحالقة كما جاء في الحديث عن فساد ذات البين. قالوا: يا رسول الله وما الحالقة؟ قال إنها ليست التي تحلق الشعر، بل الدين؟ ألا وهي فساد ذات البين أو كما قال…
في الواقع نحن نبشر بعصر لم يأت بعد، ولكن بيننا وبين الوصول إلى هذه العتبة مسافة ثلاث سنوات ضوئية.
كما قال الشاعر التركي ناظم حكمت:
أجمل البحار.. ذلك الذي لم نره بعد..
أجمل الأطفال .. ذلك الذي لم يكبر بعد..
أجمل أيامنا .. تلك التي لم نعشها بعد..
أجمل الكلمات.. التي وددت قولها لك.. هي تلك التي لم أقلها بعد..
امنح ثقتك قبل الأشياء للإنسان..
امنح حبك للسحب والكتب ..
لتشعر كآبة الغصن الجاف..
والكوكب الخامد ..
والحيوان المقعد
ولتستشعر أولا اكتئاب الإنسان
لتحمل لك الفرحة كل طيبات الأرض..
ليحمل لك الفرحة الظل قبل الضوء..
لتحمل لك الفصول الأربعة والخريف المنهار والشتاء الصقيع..
ولكن ليحمل لك الإنسان أي فرحة
فزغرد طربا يا إنسان.
نافذة:
مشكلة إسرائيل عندنا وهي نتيجة وليست سببا لمصائبنا وأن الصراع العربي العربي هو الجوهري وهو التناقض الرئيسي وأن الصراع العربي الإسرائيلي هو الهامشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى