الرأي

الحضارة الغربية.. حضارة الوفرة!

ياسين احميداني
ما تم تداوله من مواقف الأطباء بالدول التي اجتاحها فيروس كورونا، واضطرارهم المبرر بزعمهم إلى الاختيار بين من سيعيش بين الشباب أو الشيب الذين أصيبوا بالوباء، بسبب نقص أسرة الإنعاش والوسائل اللوجستيكية الطبية، في جو درامي مأساوي لا يتمناه أحد، بالإضافة إلى الخبر الذي تم ترويجه، إن صح، حول عثور وحدات الجيش الإسباني على جثث عجزة متوفين بدار العجزة، وبجانبهم مجموعة من العجزة ما زالوا على قيد الحياة ينتظرون مصيرهم، بعدما سمح فيهم طاقم وموظفو المؤسسة تحت مخاوف إصابتهم بالعدوى. كل ذلك، جعل الحضارة الغربية تهتز عند أول اختبار حقيقي، وأثار التساؤل حول مصداقية القيم التي تنبني عليها.
ولعل ما يدعم طرح التساؤلات، ما عانته دولة إيطاليا بمناسبة اجتياح وباء كورونا، وإصابته لنسبة كبيرة من السكان الإيطاليين وتسببه في رفع عدد الوفيات إلى رقم قياسي، ولجوء إيطاليا إلى طلب المساعدة من دول خارج الاتحاد الأوربي بعدما خذلها هذا الأخير وتخلى عنها في عز الأزمة، وخلف حالة من الذهول والاستياء لدى الشعب الإيطالي ومعه كل المتتبعين، في الوقت الذي كان يفترض فيه، على الأقل، نوع من التضامن من قبل الأعضاء الموقعين على اتفاق شينغن وتحمل أعباء الأزمة مجتمعين. ما دفع بالصحافة الإيطالية إلى شن حملة ضد أعضاء «شينغن»، بسبب ما تم تسجيله من خذلان.
إن ما يمكن أن تكشف عنه هذه المواقف المتباينة، هو أن القيم التي تنبني عليها الحضارة الغربية، كنموذج، إنما تصلح فقط لحالة الرفاهية والوفرة، تصلح للجو الاقتصادي المزدهر، ولا يمكن، أن تٌؤَمن بشكل مثالي حالة الاضطرار أو حالة العوز والأوبئة.. وهي شيء متوقع، على اعتبار أن قراءة سريعة لتاريخ نشأة الحضارة الغربية لا وبد أن يسجل معها أنها حضارة إقصائية، انبنت على إقصاء الآخر رغم كل الشعارات التسويقية! حضارة اعتمدت على استغلال الآخر وبنت دولها واقتصادها على مقدرات وخيرات الشعوب المستضعفة، حضارة تؤمن بالمصلحة وفقط، ولا شيء غير ذلك… ولعل الأمثلة لا تعوز في هذا الباب، من بينها، علاقة أوربا بإفريقيا، ليس في هذه الحقبة فقط، ولكن قبلها بقرون… من بداية الاستشراق وحتى عهد الاستعمار.
إن التضامن كقيمة والإيخاء والمساواة والعدل، غدت محط نقاش بعد وباء كورونا وما خلفه من مواقف تنهل من الأنانية والمصلحة، بين من يسارع لاكتشاف اللقاح المضاد من أجل احتكاره وحرمان باقي العالم منه، وبين من يمتنع عن بيع أو منح الكمامات الطبية لبقية الشعوب، بالإضافة إلى مواقف الدول المتضررة تجاه مواطنيها العالقين بمطارات وموانئ الدول المنتشرة عبر البسيطة. زد على ذلك، تأخر بعض الدول في إغلاق حدودها وفرض إجراءات احترازية خوفا على اقتصادها ومصالحها، على حساب صحة وسلامة مواطنيها.
اجتياح فيروس كورونا، وضع قيم الشعوب والأنظمة تحت المجهر، فسطع المغرب كدولة بانحيازه لشعبه ورعاياه، وتضحيته باقتصاده لصالح رعايا المملكة الشريفة، في تجل بهي لقيم العقيدة الإسلامية السمحة، المتمثلة في التضامن والتآزر ساعة الأزمات. فكان الشعب عند الموعد، ولم يفوت اللحظة ليكشف عن هويته الحقيقية، هويته المكابدة تجاه كل محاولات المسخ والتغيير، وعن القيم المغروسة فيه، فبادر إلى تفعيل مختلف أشكال التضامن، بالإضافة إلى التزامه بالإجراءات المعلن عنها.
المملكة المغربية بمواقفها، تعكس تجليا من تجليات القيم الإسلامية، القائمة على التضامن والعدل والرحمة… حضارة إسلامية تنبني على التآزر وقت الشدة، وعلى تقديس مفهوم الأسرة والالتحام في ما بينها، في مقابل الحضارة الغربية المقدسة للفرد وحريته. حضارتان، واحدة تتبنى الإقصاء، تؤمن بالرأسمال وتنحاز للمصلحة ولاستغلال الآخرين، فتتسلح لذلك بشركات عابرة للقارات ومؤسسات دولية تصرف عبرها قراراتها المجحفة المتحكمة، وأخرى تتبنى العدل، الرحمة، الإيثار، استيعاب الآخرين…
حضارتان، واحدة بماض مشرق، إنساني، عادل… وأخرى بحاضر أناني محتكر ظالم…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى