الدرهم العائم

الدرهم العائم

خلال الأيام الأخيرة كثر الحديث عن «الدرهم»، ليس فقط بمناسبة دخول رقية الدرهم حكومة العثماني بحقيبة كاتبة دولة لدى وزير الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي، أو بسبب اعتقال حمزة الدرهم ابن أخيها الراحل الذي تسبب بسياقته تحت تأثير الشامبانيا لسيارته الفيراري في حادثة سير بالرباط، بل أيضا بسبب قرار والي بنك المغرب تعويم الدرهم.
ولعل أحد أهم وأخطر القرارات التي سيتم اتخاذها على عهد حكومة العثماني، هو قرار تعويم الدرهم، وما عاشه المغاربة مع الحكومة الكيرانية سيكون جنة مقارنة مع ما يستعد المغاربة لكي يعيشوه مع الحكومة العثمانية.
وقرار تخفيض قيمة الدرهم الذي يعد له بنك المغرب، والذي ينتظر أن يتم الشروع فيه في السنة المقبلة، يعتبر مجازفة حقيقية بسياسة الصرف، خاصة أن هذا القرار ينطوي على مجموعة من التبعات التي لا تخرج عن كونها سلبية في بيئة نموذج اقتصادي كالنموذج المغربي، هذا إذا سلمنا فعلا بوجود نموذج اقتصادي مغربي.
والداعي إلى هذا القول، في ما يرتبط بالنموذج الاقتصادي، هو كون اقتصاد المغرب يبني توقعاته للنمو على التساقطات المطرية والسنة الفلاحية، لذلك فأمام المغرب طريق طويل للحديث عن نموذج اقتصادي معين، يمر عبر تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد صناعي.
ومن هنا فإن قرارا يتعلق بسياسة الصرف لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى الذي لا يمكن تجاهله.
من جهة أخرى، فإن قرارا مثل قرار تخفيض قيمة «الدرهم المغربي» طبعا وراءه دوافع وأهداف، حيث إن الدول التي تلجأ إلى مثل هذا القرار تسعى إلى إعادة التوازن لميزانها التجاري، والحال أن الميزان التجاري المغربي أصبح العجز ملازما له، ولا يمكن معالجته بقرار تخفيض قيمة العملة الوطنية والذي يعتقد أن من شأنه أن يشجع الصادرات وبالتالي تحقيق توازن بين الصادرات والواردات، في حين أن معطى آخر قائم بشكل ملح، وهو كون المغرب بلدا مستوردا بامتياز، فأغلب الحاجيات تستوردها المملكة، وحتى بعض القطاعات الصناعية التي بدأت تصدر منتجاتها خلال السنوات الأخيرة، كقطاع السيارات والطائرات، فإنها تستورد أغلب موادها الأولية من الخارج، وهو ما يعني فقدان قسط كبير من القيمة المضافة التي تشكل الفرق في الموازنة بين الصادرات والواردات.
فالتداعيات التي ستترتب عن قرار تخفيض قيمة العملة الوطنية في نهاية المطاف لن تضر إلا بالمواطن المغربي، على اعتبار أن المغرب بلد مستورد، وحين يتم تخفيض قيمة الدرهم فإنه يعني بشكل مباشر ارتفاع أسعار الواردات بالنظر إلى قيمة الدرهم المنخفضة مقارنة مع قيمة العملات الدولية خاصة الأورو والدولار، العملتان المرجعيتان اللتان تقاس عليهما قيمة الدرهم، بحيث تشكل قيمة الأورو نسبة 60 في المائة من سلة العملات التي تقاس عليها قيمة الدرهم المغربي.
إذن فارتفاع أسعار الواردات العائد إلى انخفاض قيمة الدرهم أمام قيمة العملتين المرجعيتين، سيؤدي حتما لارتفاع أسعار الاستيراد للمواد، وبالتالي فإن المورد لن يتحمل لوحده كلفة هذا التغيير، بل سيعمد إلى عكسه على سعر البيع، وهي عملية بديهية في مجال المعاملات.
وسيفرز هذا الوضع غلاء أسعار السلع المستوردة مما يعني التأثير بشكل ما على حجم الواردات، وقد ينتج عنه الإقبال على المنتجات الوطنية أو انكماش القدرة الشرائية، وفي حال المغرب الذي يعد بلدا مستوردا لأغلب حاجياته، فإن الوضع مختلف، حيث سيؤثر القرار على القدرة الشرائية للمواطن، وبالتالي انكماش الطلب.
وإذا كانت دوافع الدولة، أو بنك المغرب، هي تقليص فاتورة الواردات بالعملة الأجنبية وتشجيع السلع المصنعة محليا والتي ستعرف انخفاضا في الأسعار مما قد يشجع على الإقبال عليها، وبالتالي تشجيع الصادرات والرفع من حجمها، وهكذا، وبرفع حجم الصادرات وتقليص حجم الواردات، يكون الميزان التجاري قد حقق توازنه وتخلص من لازمة العجز، فإن الوضع بالنسبة للمغرب يختلف نوعا.
كيف ذلك؟ المغرب بلد غير مصنع، وحتى الصناعات التي ولجها في السنوات الأخيرة، وتحديدا صناعة السيارات والطيران، تحكمها معادلة أخرى، عنوانها الامتيازات الضريبية التي تستفيد منها الشركات التي وطنت أنشطتها بالمغرب، لذلك فإن القيمة المضافة للصادرات في هذين القطاعين اللذين يقودان صادرات المغرب، يطرح إشكالية كبرى، وقد طرح هذا الإشكال في أكثر من مناسبة.
ويربط والي بنك المغرب تنزيل هذا القرار بثلاثة عوامل رئيسية، وهي الحفاظ على قوة الميزانية العمومية، ونظام بنكي قوي، مع توفر احتياطات إيجابية من العملة.
ومن بين الإكراهات المرتبطة بقرار مثل هذا، هي هل يتوفر المغرب فعلا على قدرة إنتاجية بالنسبة للمقاولات الوطنية؟ وهل يتوفر على المؤهلات التكنولوجية والمالية والبشرية التي ستمكنه من التصنيع وتغطية النقص الذي سيحصل على مستوى السلع المستوردة بسبب الغلاء الذي سيلحقها؟
كما أن التخوفات المصاحبة لتنزيل هذا القرار، تتمثل في التأثير على نمو الاقتصاد، بالنظر إلى النتائج العكسية التي قد تؤدي إلى الانكماش وارتفاع مستويات التضخم الذي سيفرزه ارتفاع أسعار المواد الأولية والتجهيزات المستوردة، وهو تخوف قائم باستحضار طبيعة الاقتصاد المغربي، وكون المغرب بلدا مستوردا أكثر مما يصدر، وهو ما تؤكده إحصائيات مكتب الصرف، حيث بلغت قيمة العجز التجاري إلى غاية نونبر الماضي أزيد من 166 مليار درهم.
ولعل أبرز مثال على ذلك، ما عاشته بعض البلدان في أمريكا اللاتينية كالأرجنتين والمكسيك، إذ أدى قرار تخفيض قيمة عملتهما الوطنية إلى دخول اقتصادهما في دوامة التضخم المرتفع، وتراجع في الإنتاج، حيث انعكس القرار على ارتفاع أسعار المواد الأولية المستعملة في الإنتاج مما رفع بشكل ترابطي أسعار المنتجات النهائية وتسبب في تراجع الطلب، ما يؤدي إلى تراجع الاستثمار.
وفي الوقت الذي يسعى قرار بنك المغرب لتخفيض قيمة العملة الوطنية وتشجيع الصادرات قصد تقليص عجز الميزان التجاري، تم إغفال جانب آخر أكثر أهمية، من قبل واضعي السياسات الاقتصادية للمغرب، ويتعلق الأمر بالنظام الضريبي.
والمعروف أن الشركات التي تحقق أرقاما مهمة في مجال التصدير انطلاقا من المغرب هي شركات أجنبية، وخاصة في قطاعي السيارات والطيران، وهذه الشركات توجد في منطقة حرة وتمارس نشاطها الصناعي والتصديري انطلاقا من هذه المناطق التي يحكمها قانون ضريبي خاص بامتيازات كبيرة ومختلفة عن القوانين الضريبية المعمول بها في المناطق الأخرى داخل المغرب.
وهكذا فالشركات الأجنبية وحتى ذات الصبغة المغربية العاملة في المناطق الحرة «free zone» تتمتع بإعفاء ضريبي لخمس سنوات مع السماح لها بإخراج الأرباح منذ السنة الأولى لمباشرة العمل، كما أنها تتمتع بامتيازات أخرى خلال فترة الاستثمار، والتي تمنح لها سواء على مستوى مختلف الرسوم الضريبة، أو أسعار العقارات المخفضة.
في حين أن دولا أخرى، بالرغم من الامتيازات التي تمنحها للشركات المصدرة، قننت مسألة إخراج الأرباح خلال الفترة التي تكون فيها الشركات معفية من الضرائب، إذ لا تسمح الصين مثلا للشركات الأجنبية بإخراج الأرباح إلا بعد خمس سنوات، فيما ماليزيا لا تسمح بذلك إلا بعد سبع سنوات.
وزيادة على ذلك تستفيد الشركات الأجنبية من تخفيض ضريبي بخصوص الضريبة على الشركات التي تزاول نشاطها في المناطق الحرة طوال العشرين سنة الموالية للسنة الخامسة للإعفاء، بنسبة تفوق 8 في المائة من مجموع الضريبة وكذا تخفيض الضريبة بنسبة 80 في المائة بالنسبة للضريبة على الدخل، للعشرين سنة الموالية للسنة الخامسة من الإعفاء.
في حين أن دولة ذات اقتصاد قوي ككوريا الجنوبية، وإن كانت تمنح إعفاء يصل إلى 7 سنوات بالنسبة للشركات الأجنبية المتخصصة في التكنولوجيا المتطورة، فإنها لا تخفض الضريبة على هذه الشركات إلا بنسبة 50 في المائة ولمدة 3 سنوات فقط.
هذه هي الأمثلة الاقتصادية الناجحة التي يجب على الحكومة أن تقتبس منها، لا أن تستلهم النماذج الفاشلة التي انتهت اقتصاداتها متضخمة وانهارت تبعا لذلك.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة