حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

الصراع والسلم الاجتماعي

عبد الإله بلقزيز

للسياسة الحديثة تاريخان: تاريخ محلي إطاره الكياني الدولة الوطنية الحديثة، وتاريخ كوني هو تاريخ الأطر والسياسات الدولية العابرة لحدود الجماعات السياسية القومية. وسواء في نطاق الدولة الوطنية، أو في نطاق العلاقات البينية للدول، كان معتمد السياسة في استوائها نظام تدبير جديد للمصالح العامة، ومدماك صرحها الأول هو استتباب السلم: السلم المدنية داخل كيان الدولة، والسلم العالمية بين الدول في علاقاتها ببعضها وداخل أطرها الاتحادية (منظمة الأمم المتحدة اليوم). هو معتمدها في الحالين لأنه من دون استتباب السلم لا إمكان للتعايش بين الأفراد والجماعات في المجتمع الوطني الواحد، ولا إمكان للتعايش بين الأمم والدول في نظام العلاقات الكونية.

ولقد شدد على لزوم السلم للوجود السياسي والاستقرار إلى حدود بولغ فيها، أحيانا، فقيل -بألسنة فلاسفة وسياسيين وفقهاء قانون- إن الدولة ما وجدت (و بالتالي، ما وجد النظام الدولي) إلا لغاية هي حفظ السلم من الانتقاض الذي به لا يتهدد وجود الدول والمجتمعات فحسب، بل يتهدد البقاء الإنساني وقانونه الطبيعي الحاكم: قانون حفظ النوع الإنساني. لا جرم أن تشريع منظومة من القوانين الدائرة على هدف حماية السلم -المدنية والعالمية- وصونها وإحاطتها بالضمانات لهو مما يقع في قلب أولويات كل سياسة وطنية أو دولية، وفي قائمة كل نظام قانوني في الدولة وفي النظام الدولي يراد إنفاذ أحكامه…

الإلحاح الشديد على مسألة السلم ومركزيتها في كل اجتماع سياسي، ضيق النطاق الكياني أو واسعه، ليس يعني -على جهة القطع- أنه يفصح عن حقيقة واقعة فعلا داخل المجتمعين الوطني والعالمي، إذ القول بالسلم وبناء الخطاب السياسي عليها شيء، وقيام السياسة (الدولة، النظام العالمي) عليها شيء آخر تماما، فلا تلازم بين المقول السياسي والواقع السياسي، وهو يشبه أي قول في السياسة ومقتضياتها نظير من قبيل القول بحاجة السياسة إلى الحرية أو إلى العدالة الاجتماعية، فهذا أيضا مما يتجافى والواقع الموضوعي للسياسة الذي تنعدم فيه القيمتان تانك.

كانت الفلسفة الماركسية قد انتقدت، بشدة، فرضية السلم الاجتماعية بما هي مبدأ حاكم للمجتمعات وفندتها، منبهة إلى ما يخترق المجتمعات ويصنع واقعها من علاقات صراعية، متفاوتة الحدة والأثر، بين طبقات المجتمع وفئاته المختلفة. وليس الصراع الاجتماعي قانونا حاكما، في نظرها، إلا لأن المجتمع منقسم على أساس مصالح متناقضة ومتضاربة بين طبقاته، بحيث تسعى كل طبقة إلى الدفاع عن مصالحها -القائمة أو المرجوة- في وجه أخرى تنازعها إياها. إذا كان ذلك الصراع مفهوما في المجتمعات قبل الحديثة، حيث ساد الاستعباد، ثم الإقطاع والسخرة واضطهاد الفلاحين… وسيادة السلطة الجائرة، فهو صراع مستمر حتى في الدول الحديثة لاستمرار أسبابه الاجتماعية (تناقض المصالح)، لكنه يختفي وراء أستار من الحجب القانوني والإيديولوجي تسدل عليه لئلا ينكشف فيكون ذلك دافعا نحو مزيد من الصراع.

أن تذهب هذه الفلسفة إلى نقد فرضية السلم الاجتماعية ودحضها، وبيان مجافاتها لما تجري به عوامل الاجتماع الإنساني من قوانين، لا يعني ذلك -بأي وجه- غياب كل مظهر للسلم من النظام الاجتماعي، وإلا ما كان له أن يقوم وأن يستقيم وينتظم عمله. قد لا يكون في وسع مبدأ السلم الاجتماعية أن يغير من حقيقة الصراع الاجتماعي على المصالح أو من موضوعية -وحتمية- مفاعيلها في النسيج الاجتماعي، لأن الصراع ذاك حقيقة سوسيولوجية لا فرضية معرفية، مع ذلك، يسع السلم الاجتماعية – مسلحة بمنظومة قوانينها- أن تهذب قانون الصراع الاجتماعي وأن تحد من الآثار التي يمكن أن تكون سلبية في ذلك الصراع، والتي قد يتهدد بها الاستقرار الاجتماعي. ولعل النظام الديمقراطي يكون أعلى أشكال تهذيب ذلك الصراع واستيعابه ضمن الأطر القانونية.

من الواضح، إذن، أن السلم الاجتماعية لا يمكنها أن تكون قانونا حاكما لمجتمعات تخترقها علاقات الصراع على المصالح، لأنها (السلم) ليست من نسيج الاجتماعي أو من نسغه، ولأنها لا تملك أن تغير ماهية المصالح المتضاربة بين طبقات وفئات متباينة.

نافذة:
القول بالسلم وبناء الخطاب السياسي عليها شيء وقيام السياسة (الدولة، النظام العالمي) عليها شيء آخر تماما فلا تلازم بين المقول السياسي والواقع
السياسي

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى