الرأيكتاب الرأي

العائدون إلى الوطن

يونس جنوحي
جل المغاربة المقيمين بالخارج، لا يربطهم ببلدهم الأصلي سوى استخراج نسخة من البطاقة الوطنية أو جواز السفر المغربي قبل انتهاء أجله، أو إنجاز إجراءات نقل جثامين أحبائهم وتحقيق أمنيتهم الأخيرة، والتي تتلخص دائما في الدفن قرب الأجداد بهدوء وسلام.
بلغت شكايات المقيمين المغاربة بالخارج ضد بعض القنصليات درجة من الاحتقان، وهو ما جعل الملك يتدخل شخصيا في إحدى المناسبات ويخلق زلزالا حقيقيا داخل الحقل الدبلوماسي، جرى إثره إعفاء عدد من القناصل والسفراء واستبدالهم بغيرهم، ووضع استراتيجية جديدة منذ 2015، داخل الوزارة.
أما مكتب رئيس الحكومة فظل، منذ تلك الفترة وما قبلها بكثير، يستقبل شكايات من المغاربة المقيمين بالخارج، خصوصا منهم الذين يأتون لاستثمار أموالهم في المغرب، حيث يجدون أمامهم عراقيل لا بداية لها ولا نهاية، وقليل منهم من فهموا الرسالة مبكرا وسحبوا أموالهم وغادروا صوب بلدان الثلج والضباب لكي يجدوا الدفء الحقيقي لاستثمار أموالهم.
لم تنجح الأحزاب السياسية، وهذا أمر مؤسف للغاية، في إقناع الكفاءات المغربية بالعودة إلى البلد الأم واستثمار كفاءاتهم داخل الإطار الحزبي أولا، ثم لإنعاش الاقتصاد والقطاعات الأخرى المحلية. وهذا أمر يمكن تفهمه على كل حال، إذ كيف تريد لإطار مغربي عانى البطالة في المغرب ولم يجد مكتبا واحدا يستقبله، ولم يجد أمامه سوى ممارسة الحرف الهامشية بدون حقوق اجتماعية ولا تعويضات، أن يقتنع بالعودة إلى المغرب، بعد أن وجد في الخارج من يستثمر كفاءته بل ويدفعه إلى تنمية قدراته والحصول على درجات جامعية عالية من مؤسسات دولية مرموقة، لا تهمها أصوله ولا انتماؤه الاجتماعي أو القبلي، بقدر ما تهمها كفاءته العلمية والأكاديمية.
بالنسبة لهؤلاء المهاجرين، فإن العودة إلى المغرب، رغم المخططات التي وضعتها الوزارة ورغم ما يتم نقاشه حاليا أسفل قبة البرلمان، تبقى أمرا صعبا، وتبقى نافذة ضمانات الاستثمار واختصار المساطر والإجراءات الإدارية، والأهم، الإعفاءات من الضرائب، هي السبيل الوحيد لإقناع الأطر المغربية في الخارج بالعودة إلى الاستثمار داخل المغرب.
الحكومة، وهذا أمر مؤسف آخر، لم تنجح في إقناع الأطر المحلية بالبقاء. نتحدث هنا عن شريحة اجتماعية تمثل الطبقة المتوسطة المغربية، حيث إن دخلها السنوي مريح للغاية ويطابق المعايير الدولية ويفوق أضعاف الحد الأدنى للدخل في الدول المتقدمة، ورغم ذلك فإنهم يهاجرون إلى الخارج في إطار عروض عمل أو برامج تهجير الكفاءات نحو كندا وغيرها من الدول التي تستقطب الأطر. فكيف يمكن إقناع الأطر الذين وُلدوا أو تكونوا في الخارج، بالعودة إلى البلد الأم؟
تبقى أمامنا شريحة الكادحين الذين غادروا المغرب قبل عقود، ولا يتذكرون منه إلا نشرات الأخبار وإضرابات النقابة على عهد الأموي وبن الصديق، ومداخلات إدريس البصري في البرلمان، ومحنة استخراج جواز السفر الذي لا يتم الحصول عليه إلا بعد إقامة حفل باذخ فوق أسطح المنازل على شرف موظفي العمالة وعلى رأسهم «المقدم». هؤلاء عندما يعودون إلى أرض الوطن، لا تهمهم لا الحكومة ولا البرلمان. وأول ما يبحثون عنه لا يتعدى وكالة بنكية موثوقة يعرفون مديرها جيدا، لكي يودعوا لديه «حصة» العمر ليصرفوها على مهل. وكل ما يطلبونه أن يطابق حجم إنفاقهم مخطط ملك الموت لنقلهم إلى الرفيق الأعلى.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق