الرأيزاوية القراء

العبور الأصعب

جهاد بريكي

متأخرة كنت، طفلة صغيرة أحمل فوق رأسي رداء كبيرا وأجري نحو مدرستي لعلي أنفذ من الباب الرئيسي وأوفر على نفسي شقاء القفز من على السور والعقوبات المترتبة عنه لو كشف أمري. لحسن حظي عمي الشاوش علي نسي الباب، لم يغلقه بتلك الأقفال الغليظة المتراصة واحدة فوق الأخرى، شكلها كان بشعا جدا، كانت مصنوعة من حديد صدئ صبغ بأحمر دموي، فامتزج الصدأ باللون الأحمر فأصبحت تميل للون الجحيم. كنت أكره منظرها لما يثيره في من خوف. كنت أتخيلها أقفالا لعوالم الجن والشياطين، صوتها كأنه صوت سقوط نجم على الأرض يقسمها لشقين. دخلت ألهث، وجهي متعرق وشعري تحت الرداء قد فك رباطه. ما أبشع ذلك الموقف الذي يكون عليكِ فيه ترتيب شعرك من تحت الرداء وبشكل لا يستطيع أحد رؤية خصلة معه. عملية معقدة تتطلب الكثير من الدقة والسرعة والانتباه. والشيء الذي كان ينقصني هو الانتباه، ذهني المشتت منذ نعومة أظافري كان سببا حقيقيا في متاعبي، أعجز عن حصره في شيء واحد، ينزلق ويتسلل من بين محاولاتي للجمه كنبع ماء تحاول حصره بيديك فيفيض ويغرقك. دخلت القسم، أنا الآن تلميذة في السادس ابتدائي، شيء ما بين الطفولة والمراهقة، جسمي يتحول إلى شيء لا أفهمه وعقلي يحاول إقناعي بأني في طور توديع الطفولة. أشياء تنبت على هذا الجسم الطفولي الصغير وتكورات تظهر وتكشف عن نفسها من تحت كل تلك الملابس الواسعة والفضفاضة. وأنا أراقب كل ذلك في المرآة وأرى امرأة تحاول أن تخرج مني. امرأة، ما هي امرأة!؟ هذا السؤال الذي كان يستفزني، فأنا لا أرى نفسي في كل تلكم النسوة المحيطات بي، لا نموذج منهن يغريني. أنا لا أستطيع أن أكون أمي، أمي صبرت جدا وتحملت جدا وكافحت جدا وأنجبت أربعة أطفال كل يظنها أمه هو فقط. وأنا لا أستطيع أن أكون مثلها. ولا حتى معلمتي، قنوعة جدا بوجه شاحب على الدوام وبسيطة جدا، ودائما ما تفكر في شيء حزين، هي أيضا لا أستطيع أن أكون مثلها. امرأة سأصبح بعد سنوات قليلة، وأنا لا رغبة لي في ذلك، لا رغبة لي في أن أخجل من أشياء لا يد لي فيها، لا رغبة لي في أن أتجنب التجمعات المختلطة ولا أن أعتزل البحر ولا أن أركض للبيت قبل أذان المغرب، لا رغبة لي في أن أوقع عقد عمل في المطبخ ولا أن أتحمل وحدي مسؤولية أطفال كثر، لا أريد أن أعيش هذا الشقاء في الشوارع وأسمع كلمات تصف أردافي وشفتَيّ لمجرد أنني قررت شراء علبة حليب من بقال الحي. لا أريد أن أثير الإعجاب ولا أن أتهم بأني أطمح لإثارة الإعجاب إذا ما قررت يوما الاهتمام بشكلي وزينتي.
كنت أجلس أضم إلي هذا الجسد الذي تمرد علي، وأراقب عصام، جاري وصديقي وزميلي. وأبتسم، أحيانا أضحك، عصام لا يفكر في هذه الأمور ولا يشغل باله أنه ربما يوما سيضطر للاختفاء لأن قرارا نزل من السماء يقضي ببلوغه مرحلة التحول. أسأل نفسي هل عصام أيضا يتحول أم فقط أنا. لا أجرؤ على سؤاله، رغم أنه كان يمكن أن يجيب عن كل أسئلتي بسذاجته البالغة وطيبته غير الطبيعية، كان طيبا بشكل يثير أعصابي.
لطالما رغبت بأن أسأل شخصا كبيرا حول الذي يحصل، ولم الآن بالضبط، وكيف سينتهي بنا المطاف، لم أكن أستطيع ذلك، كل معلوماتي كانت مصادرها جلسات البنات وسط الساحة خلال فترة الاستراحة، نجتمع نحن التائهات، العابرات نحو المجهول، كل تأتي بصديقاتها لإثراء النقاش والحصول على العدد الأوفى من الحقائق، نخبر بعضنا بأشياء سمعناها في حمامات النساء وصالونات التجميل عندما رافقنا خالاتنا وعماتنا، نحاول التظاهر بأننا نعرف سبب هذا التحول الذي يجتاحنا ويجعلنا مدعاة لسخرية الذكور، نخترع قصصا ونبتكر حقائق علمية وليدة اللحظة لنظهر بمظهر الخبيرات. ونصدق كل شيء قيل لنا وقلناه ونمضي ننشر تخاريفنا بين بنات العمات والخالات ونفتح عقولنا الصغيرة لأساطيرهن أيضا. ثم نصبح مثقلات بالخرافات المتناقضة والمعلومات الغريبة. ونكبر معها وبها. لكم رغبت بأن أقتحم على معلمتي نجية خلوتها وهي تعد شاي العصر في قاعة الرسم التي لا تفتح إلا لطبخ الشاي وأسألها: هل حقا يمكن أن أحترق إذا لمست القرآن وأنا في دورتي الشهرية! لكني لم أستطع خفت أن تعتبرني امرأة وتكف عن معاملتي كطفلة. وعلى كل جوابي عرفته عندما حملت القرآن ولم يحصل شيء.
احتجت إلى سنوات طويلة لأتخلص من كل هذه الخرافات، واستطعت أن أكتشف ما يحصل وأفهم كيف ولم. وضحكت ملء شدقي وأنا أتذكر كل تلك الحقائق التي كنت أدافع عنها كأنها قرآن منزل، ولم تكن في حقيقة الأمر سوى تخمينات ابنة خالي وتوصيات ابنة الجيران، تماما كأني يمكن أن أنجب طفلا فقط إذا أعجبني شاب ما، فكنت أغمض عيني كلما مر بجانبي ابن الجيران الوسيم. أو يمكن أن أصاب بالصمم لباقي أيامي إذا عرف أخي أني أمر بدورتي الشهرية. استطعت أن أنفض عني سذاجات الطفولة وحماقاتها، وتمنيت لو أنهم ما سمحوا لي بتضييع كل هذا الوقت، ولا تركوني أسبح في بحر الجهل والسذاجة ولا تخلوا عني أمام هذا الجسم الذي ما عاد يعرفني ولا أعرفه، لقد كان يقتلني الخجل فأفهم السبب، أنا طفلة.. وأنظر إليهم وأسأل لم يخجلون!؟ أليسوا كبارا كفاية حتى يتفوقوا على خجل اللامعنى هذا!؟ أم أن العمر لا يقتل الخجل!؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى