الرأي

العميان ينوبون عن المبصرين

حسن البصري

يسهر المغاربة إلى ساعات متأخرة من الليل، تشرئب أعناقهم إلى التلفاز أملا في حصول مغربي على نصف انتصار، بعد ساعات من الانتظار يغادر “الأبطال” ميدان التباري يعودون إلى القرية الأولمبية صاغرين، فيصبح اللجوء إلى “التيليكوموند” أهون من متابعة تصريح مسؤول من اللجنة الأولمبية الوطنية يردد على مسامع المشاهدين لازمة عفا عنها الدهر تقول: “المهم هو المشاركة”.
ولأن المغاربة ينتظرون ميدالية تذهب عنهم الحزن، فإن طول الانتظار أعاد إلى الأذهان المشاركات السابقة في أولمبياد الكساد، وبات الجميع ينتظر انتهاء منافسات الأسوياء لينعم بإنجاز يصنعه أبطال في وضعية إعاقة.
يغيب منتخب الكرة وناس الكرة والمؤلفة قلوبهم حول الكرة، ويحضر المنتخب المغربي للعميان وضعاف البصر، الحاصل على لقب بطل إفريقيا لأربع مرات، وتعلق البعثة المغربية آمالها على أبطال فقدوا نعمة البصر دون أن يفقدوا البصيرة.
تحمل الفريق الوطني للعميان صعوبات عديدة قبل أن يصل إلى طوكيو، خاض مسؤولوه مفاوضات ماراطونية مع المدير التقني للجنة الأولمبية الوطنية المعار من الخارج، كان مطلبهم رفع عدد أفراد البعثة أملا في موافقة على سفر طاقمه التقني والطبي، بعد أن قلصت حجم الوفد إلى الأدنى وارتأت، بما أتاها الله من بعد نظر، أن يقتصر السفر على اللاعبين والمدرب دون الحاجة للممرض والطبيب والإداري، ولأن الأمر يتعلق بضعاف البصر فقد حرم الطاقم من منحة الفوز بكأس إفريقيا بدعوى اقتصار “البريم” على اللاعبين، الذين لا يعلمون كم مسكت أيديهم.
قلصت اللجنة الأولمبية عدد أفراد البعثات الرياضية واضطر كثير من الأبطال للسفر دون مدربيهم، ولكي يرضى عليك الغزواني ويجعل لك رفيقا في أولمبياد أصبح حكرا لمن استطاع إليه سبيلا.
تحكي قصة “الأعمى والأطرش” للأديب الفلسطيني، غسان كنفاني، عن علاقة الإنسان بالانتظار، انتظار معجزة من السماء تغيِر حاله وحال محيطه، وترصد بسرد لغوي جذاب قصة الصراع بين صرخة نداء مبحوحة ونظرة تحبها ظلمة المكان. وفي حكاية أولمبياد طوكيو ملايين المغاربة يعيشون الانتظار بقساوته.
حين كان ممثل المغرب في رياضة رمي النبال يظهر على شاشة التلفزيون، قال زميلي إن المغاربة أشداء في الرمي، وأضاف بأن “التنياش” من شيم الرياضيين المغاربة، الذين نادرا ما يخطئون الهدف، لكن الفتى المغربي خسر الرهان وظلت نباله تضرب قلوبنا بلا رحمة إلى أن خلصتنا صافرة النهاية من الوخز.
منذ الوصول إلى طوكيو ظل أعضاء البعثة المغربية للملاكمة يوزعون الأدوار في ما بينهم، منهم من يتابع المنافسات ويمسح دموع الخاسرين، ومنهم من ينهض صباحا ليمارس هواية السيلفي واللايف أملا في استدراج المعجبين.
حين تساقط أبطالنا في الحلبات والملاعب والمسابح والبحار كأوراق الخريف، وخرج ملاكمون بخفي حنين، ضرب المسؤولون كفا بكف وقالوا إن اللجنة الأولمبية الدولية ستمنحنا ميدالية أحسن زي رسمي للدورة.
لا تبكي يا فاطمة الزهراء كفكفي دموعك فحرمانك من المشاركة في أولمبياد اليابان لا يقلل من الذهب الذي لف عنقك في أولمبياد الشباب بالأرجنتين، اعلمي أنك من طينة الأبطال الذين في “نهار الخايب يكون غايب”، كفكفي دموعك فالحرب سجال لا تبيعي بذلة فنون القتال في المزاد اجلسي في قاعة الانتظار واعلمي أن بعد العسر يسرا.
حين يفشل الأسوياء ينهض المعاقون يرمون بكراسيهم المتحركة جانبا يعلنون أنفسهم حماة الوطن من الجفاف، ويزفون موسم الحصاد وجني الألقاب فيسمعون صوت النشيد الوطني لمن به صمم، ويلفون أجسادهم بالعلم المغربي ويتصدون لمن يسيئ الفهم ويردد كل مساء “في جيبي وفي فمي هواك ثار نور ونار”.
التزمنا من أجل أبطال اشتقنا لحضورهم في المحافل الرياضية الكبرى، فخرج إلينا أبطال من ورق مقوى محاولين تشويه صورة تلك الثقة التي عادت بعد اشتياق. فالمغربي إنسان بطبعه طيب القلب مستعد لابتلاع كل آلامه من أجل انتصار في الملاعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى