شوف تشوف

المادة الرمادية

بعدما نشرنا رأيا، ضمن آراء أخرى يتداولها أصحاب رأي آخرون، يتساءل حول جدوى الحكومة الحالية وحول الكلفة الكبيرة التي تكلفها الطبقة السياسية والمنتخبين لدافعي الضرائب دون أن تقوم هذه الطبقة السياسية بدورها المنتظر، وتساءلنا حول إمكانية تشكيل حكومة كفاءات مقلصة تشتغل لسنتين على مشروع واحد ووحيد هو إخراج المغرب من عنق الزجاجة، اجتمعت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية وتناقشوا حول ما يتم تداوله من حديث حول حكومة إنقاذ وطني أو حكومة وطنية وقرروا أنه لا وجود لدواع سياسية تدعو إلى تشكيل أي حكومة من هذه الحكومات وأن الحكومة الحالية قادرة على مواجهة التحديات.
أولًا أنا تكلمت عن حكومة كفاءات وليس حكومة وطنية أو حكومة إنقاذ. ثانيا هذا مجرد رأي يخصني ولم يكن الأمر يتطلب عقد اجتماع لاتخاذ قرار حزبي حول مجرد رأي، فأظن أن هناك مواضيع أكثر أهمية تستحق أن تجتمع من أجلها الأمانة العامة للحزب الذي يقود الحكومة منذ عشر سنوات.
ومن بين هذه المواضيع المهمة التي كان أجدر بالأمانة العامة أن تتناقش حولها هو ما قاله رئيس الحكومة من كون التوجهات ذات الأولوية اليوم في الحكومة هي الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والتشغيل، بالإضافة إلى أهمية تسريع البحث العلمي والتنمية الرقمية، وهي الأولويات التي يتفق حولها الجميع.
هل فعلا رئيس الحكومة جاد في ما قاله؟
وماهي الإمكانيات والوسائل التي لدى حكومته لرفع هذا التحدي؟
سيقول لي إن الحكومة تبني في كل جهات المملكة مشاريع مستشفيات جامعية CHU وأنها جميعها في أشواطها النهائية وأنها ستكون مجهزة بأحدث التجهيزات الطبية، وأنهم سيشيدون مستشفى ابن سينا جامعيا جديدا مكان القديم سعته ثلاثة آلاف سرير وسيكون هو الأكبر أفريقيا، وأن المستشفى الجامعي بطنجة سيكون مجهزا بـ800 سرير وسيكون واحدًا من أكبر المستشفيات في أفريقيا، وفي أكادير سيكون العام المقبل بناء المستشفى الجامعي قد اكتمل وستكون سعته 867 سريرًا.
كل هذا جميل، لكن أين الطواقم الطبية التي ستشغل هذه المستشفيات؟ هل سنستوردها من الخارج؟
هل لدينا الإمكانيات لمنافسة أمريكا وكندا وأوروبا التي تقترح رواتب وتعويضات مغرية على الأطباء لكي يلتحقوا بالعمل في مستشفياتها؟
الجميع في الحكومة يتحدثون عن العملة الصعبة التي في الخزينة وضرورة الحفاظ عليها، لكن لا أحد منهم انتبه إلى أن العملة الصعبة الحقيقية حاليا في العالم بأسره هي الأطر الطبية ومهندسو المعلوميات، ودول العالم بعد هذه الجائحة تتصارع لكي تجذبهم إليها لأنهم الجيش الحقيقي في مواجهة الجوائح.
علينا أن نكون مقتنعين بأن طريق التقدم والازدهار لديه باب واحد هو البحث العلمي، ونتائج هذا القرار ستظهر في المستقبل وليس بعد عشر أو عشرين سنة. أي أن من سيستفيد هم الأجيال القادمة وليس نحن.
في سنة 1956 سنة استقلال المغرب كنّا متقدمين على سنغفورة والصين وكوريا الجنوبية، اليوم تحتل هذه الدول مقدمة الترتيب على مستوى الاقتصاد والتجارة والرفاه الاجتماعي فيما يجرجر المغرب الخطى في مؤخرة الترتيب على كل المستويات، والسبب هو أن هذه البلدان أعطت للبحث العلمي أهمية قصوى وخصصت له الميزانيات الضرورية لكي يتطور ويزدهر.
لذلك فأول شيء يجب التخلص منه هو وهم النموذج الفرنسي، الذي أصبح متجاوزا حتى في فرنسا نفسها.
لقد قضينا سنوات طويلة نقلد النموذج الفرنسي في التعليم، وظلت فرنسا هي المستفيد الأول من هذه التبعية لنموذجها التربوي الفاشل، تستفيد استراتيجيا من خلال صناعة النخب التي تدافع عن مصالحها، وتستفيد الآن اقتصاديا، ومن يطلع على لائحة طلبة مدارس عليا فرنسية شهيرة، سيكتشف أن ثلثي طلبتها من الأجانب. فالتلاميذ الفرنسيون لم يعودوا يهتمون باللغات والعلوم، وتنافسية الاقتصاد الفرنسي، خاصة في الصناعات الجديدة، المرتبطة بما يسمى بـ”الذكاء الاصطناعي” هي تنافسية ضعيفة جدا، بسبب التدني الكبير لمستوى تلامذتها، لذلك تعمل جاهدة على استقطاب خيرة تلامذتنا، وأحيانا بمنح، وأغلب هؤلاء لا يعودون إطلاقا لكي يستفيد منهم المغرب. بل وإن الاستقطاب لا يتوقف على التلاميذ، بل على المهندسين أيضا، وهذا باعتراف وزير التربية الوطنية والذي تحدث عن هجرة 600 مهندس مغربي سنويا، ونصفهم يستقر نهائيا في فرنسا. لتصبح فرنسا كما قلنا هي الرابحة الكبرى ويصبح المغرب هو الخاسر الأكبر بسبب هذه التبعية. فنحن نصرف أموالا طائلة على تعليم التلاميذ، وعندما يحصلون على الباكلوريا تستقطبهم فرنسا، ومن تبقى منهم، يكلفنا الملايير ليحصلوا على ديبلومات الهندسة، وعندما يتخرجون يهاجرون. هكذا ففرنسا الفاشلة في التعليم لا تزال مصرة على ممارسة الأستاذية علينا نحن، فهي سحبت أغلب أساتذتها الحاملين للجنسية الفرنسية الذين كانوا يعملون في مدارس البعثات، وعوضتهم بمتعاقدين مغاربة يطبقون توجيهات الدولة الفرنسية، بل وفرضت علينا أن نعمم التدريس بالفرنسية، ليس كاختيار في مرحلة الباكلوريا كما كان معمولا به قبل ثلاث سنوات، بل وتعميمه على كل الإعداديات ابتداء من السنة الأولى. ليصبح تلامذتنا يقومون بناء على معيار واحد ووحيد: من يتقنون الفرنسية ومن لا يتقنون الفرنسية، بينما العالم يتحدث لغات أخرى أبرزها الإنجليزية والإسبانية والصينية والعربية.
أما في الصحة التي قال رئيس الحكومة إنها ستكون محور المخطط التنموي المقبل فسعادته يجهل أن الطبيب عندنا يكلف الدولة 300 مليون سنتيم ويقدم جاهزا مجانًا للغرب، وخصوصًا فرنسا التي أخذت منا حتى الآن 7000 طبيب.
أما الأسر التي تدرس أبناءها في القطاع الطبي الجامعي الخاص فيلزمها ما يقرب 100 مليون سنتيم لكي يصبح ابنها طبيبا عاما، وهناك من باع منزل الأسرة لهذا الغرض، وفي الأخير يذهبون للعمل في الخارج، والسبب هو أن التعويض عن الحراسة في المغرب قيمته 60 درهما فيما في فرنسا مثلًا 150 أورو. أما الراتب فيبدأ من سبعة آلاف أورو، أي راتب وزير في المغرب.
لذلك فالخطر الكبير الذي سيواجهه المغرب بعد رفع حالة الطوارئ وفتح الحدود هو خطر نزيف المادة الرمادية، خصوصا الأطر الصحية ومهندسي المعلوميات، في ظل الطلب العالمي المتزايد عليهم.
وقد رأينا كيف أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن منح تأشيرة عمل مفتوحة وفورية للأطباء الراغبين في الالتحاق بالولايات المتحدة، حيث سيحصلون على راتب شهري مغر والإقامة وعدد من الامتيازات الأخرى.
ومع ما عشناه وسنعيشه مع هذه الجائحة وغيرها لا بد أن نحصن عملتنا الصعبة الحقيقية من النزيف،
فالعروض المقدمة لهم جد مغرية وقد نجد أنفسنا بدون أطر طبية وبدون مهندسين إذا لم تتم إعادة النظر في شروط وظروف عملهم.
عندما سنخرج من هذا الحجر سيكون علينا أن نتعلم التعايش مع الفيروس ومع الجوائح الجديدة التي يمكن أن تظهر، فهذه الكائنات ستكون عدونا الأكبر، وربما الوحيد.
وهكذا ففي هذه الحرب ستكون الحصون والقلاع، فضلا عن الدولة ومؤسساتها، هي وحدات القطاع الصحي والمختبرات ومؤسسات الذكاء الاصطناعي، والأطباء والممرضون هم الجيش الذي سيقاتل دفاعا عنا في الخط الأمامي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق