الرأيزاوية القراء

المثقف.. من النموذج العمودي إلى الانحدار

فيروز فوزي

لو سلمنا جدلا بوجود هذه الكلمة خارج القاموس الاصطلاحي منه إلى اليومي، سيكون الحديث عندئذ مشروطا بالسلطة.. كقدر وحيد وأناني في علاقة بحامل الكتاب والرمز والمكيروفون والريشة والباحث والفنان والسياسي.. تتشكل علاقة المثقف اليوم بالانصهار المتلاغي في البحث عن جدلية التأثير والسلطة، انصهار لا يضاهيه سوى نقيضه وهو العزلة!
بات الكل يخشى من نفسه ويرتاب من أدواته ويخاف وهم العزلة.. في وقت تشكل هذه الأخيرة أحد المعطيات الأساسية للكتابة كفعل يتحدى الموت نفسه، وليس بالضرورة الحياد العاطفي عن الذكريات والقبائل والصيرورة والمدن: «أكتب إليك حتى لا أظل وحيدا مع نفسي، كمن يشعل قنديلا من الخوف ليلا» -«غوستاف فلوبير»-، أو حين تقول «فيرجينيا وولف»: «الجمل العظيمة ننتجها في أوج العزلة»، أو «مارغاريت دوراس» بلغتها القوية وشبه المتفائلة: «أن تكون في حفرة، في قعر حفرة، في عزلة تامة ثم تكتشف أن لا شيء سينقذك من تلك الحفرة سوى الكتابة»، أو «جورج ديهامل» لما يكتب: «من أجل العمل، من أجل إنجاز عمل فني كبير بشكل صحيح، وجب ألا نهتم بأي شيء ألا نهتم بأي أحد.. ألا نحب أحدا، لكن في الأخير ما الغاية من إنجاز عمل فني؟»، أو الثائر الواقعي إلى درجة النبوءة «جورج أورويل» حين يقول: «إذا كان الناس لا يحسنون فعل الكتابة فإنهم لن يحسنوا أبدا التفكير، وإذا لم يحسنوا التفكير فسيكون هناك حتما من سيفكر بدلا عنهم!»… نكتب إذا لنعيش لا لنعتاش، وكأن فعل الكتابة اليوم محاولة تفادي «مانفيست» كبير اسمه الحياة تحت غطاء الحجر الذاتي.. مَن اليوم يقرأ فعليا «ماكس فيبر» في رائعته «العالم والسياسي»؟ في وقت باتت السياسة طافية على العوالم كلها، وحين تقال السياسة بالمعنى الآني فيُقصد بها المال كوسيلة وغاية مدمرة وفعالة في قلب اللعبة والأشياء والمصائر.. لا جائحة كورونا – لو سلمنا أنها معطى بيئي وطبيعي – على الرغم من تعرية المكان والوجوه، أفرزت سؤالا جديدا للوجود المهدد.. فما زالت هناك خدوش لا تبدو غائرة تماما.. في وقت بات الطبيب الجراح لا يكشف عن نفسه وعن محيط الجرح صراحة وصرامة، لأنه مجبر بمشيئة قاهرة بين الذات والموضوع يهادن الإيمان.. الإيمان بالولاء المزعوم والمكابر للغيب وللوسائط وللمادة.. هل نعيش نهاية الانهيار؟ لست أعلم.. لكني أرى وجع العالم المستبطن للقهر اليومي، ودهشة المصطافين المتحلقين خلف عباءاتهم كيفما كانت.. اليمين اليساري واليسار اليميني، واليمين الذي في مقابله يمين آخر.. واليسار التوأم الذي ضاع في التشابه المصطنع، وشاخ في المزايدة على وطن رائع!
هل هو عدم جديد.. هل قلت عدم؟
نافذة:
تتشكل علاقة المثقف اليوم بالانصهار المتلاغي في البحث عن جدلية التأثير والسلطة، انصهار لا يضاهيه سوى نقيضه وهو العزلة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى