
يسرا طارق
لم يعد يفصلنا الكثير عن الانتخابات التشريعية، هي شهور قليلة وسيكون على الناخبين اختيار برلمان زمن المونديال، ومنح حزب من الأحزاب المتنافسة مسؤولية وشرف قيادة حكومة المونديال، وحتى هذه الشهور القليلة (أربعة أشهر) ينبغي خصم شهر مونديال أمريكا وكندا والمكسيك منها. طيلة شهر ستكون العيون والنفوس والعقول مشدودة للكرة ولمشاركة الفريق الوطني، التي نتمنى أن تكون تاريخية مثلما كانت في مونديال قطر. لم يبق الكثير لانتخابات مهمة جدا في الحياة السياسية المغربية، غير أن المتتبع للشأن السياسي المغربي سيلاحظ فتورا غريبا في متابعة الناس له، وفي الوقت الذي بدأت فيه حروب التزكيات، وجرى ملء الخريطة الانتخابية وتنقل زعماء الأحزاب هنا وهناك لضبط الآلة الانتخابية، وتوزيع الأدوار وتسوية بعض الخلافات المستعصية وجلب بعض اللاعبين الذين يكون فوزهم مضمونا، في الوقت الذي حركت الضرورة بعض الأحزاب، وأجبرتها على الخروج من سباتها السياسي الطويل، يبدو أن المواطن، الذي تستعد الأحزاب لمخاطبته ومحاولة إقناعه، لا يكترث لما هو قادم.
قبل عقود كانت سَنَةُ الاستحقاقات الانتخابية عصيبة على الجميع، دولة وأحزابا ومجتمعا، يحتد فيها النقاش السياسي، وتستعر فيها المنافسة، ويكون فيها خلاف حول شكل الانتخاب، وآليات المراقبة وضمانات الشفافية. كانت المقرات عامرة بالأنشطة السياسية والثقافية والتربوية، وكان الجميع يراهن على أن تكون المحطة الانتخابية هامة وفاصلة في الحياة السياسية المغربية، وأن يتمخض عنها واقع جديد، وأمل جديد وأفق جديد. كل ذلك الغليان، الذي يصل أحيانا، وخصوصا في البوادي، إلى الشجار وتبادل الضرب والجرح، وَلَّى. لقد فقدت الانتخابات هالتها السياسية، وفقدت الزخم وكل ما يحيط بها من مشاعر. ورغم أن الديموقراطية المغربية فتية جدا، إذا ما قورنت بالديموقراطيات الراسخة والعتيقة، فقد صارت تبدو عليها كل أعراض الشيخوخة، ولعل العزوف عن المشاركة الانتخابية هو أهم عرض من تلك الأعراض. كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ ولماذا لم تعد لنا انتخابات تشد الأنظار والأرواح وتستنفر الرأي العام؟
طبعا يتطلب الجواب حلقات بحث، ونقاشا مجتمعيا مستفيضا واستحضارا لمقاربات تتداخل فيها العلوم السياسية بالسوسيولوجيا وعلم النفس الاجتماعي..، غير أن هذا الحذر لن يمنعنا من تقديم أجوبة أولية نُجْمِلُها في ما يأتي:
-إعادة تدوير النخب الحزبية نفسها، مع ما يصاحب ذلك من ارتحال من هنا إلى هناك، وتغيير في المواقف وتلون بحسب مقتضيات الحال، حتى أن الانتخابات المغربية صارت، في جزء منها، شأنا خاصا لمحترفين، لهم وسائلهم وأتباعهم ومحمياتهم الانتخابية، التي تصعب منافستهم فيها.
-صارت برامج معظم الأحزاب متشابهة ولغتها السياسية واحدة، ولم يعد المواطن يميز بين من يحكم ومن يعارض، لقد ذابت الحدود وانتفت الفروق، ولم تعد هذه الأحزاب تجهد نفسها في إعداد برامج ناجعة وموثوقة، إنه كلام يقال في الحملات ثم ينسى.
-لم تنجح معظم الأحزاب السياسية، رغم عقود من العمل، في أن تجعل تصويت المواطن يرتهن لاعتبارات سياسية خالصة، فقد شجعت، وبنسب متفاوتة، كل العوامل التي تفسد العملية الانتخابية، من قبيل شراء الأصوات، وتنظيم الولائم وتقديم الوعود الكاذبة، وتركت الباب مشرعا للزبونية والقبلية والشعبوية..
-عوض أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي إحدى وسائل تسييس المجتمع وزرع قيم الحداثة فيه، نجد أن بعض الأحزاب صارت، من خلال «كتائبها الإلكترونية» وبقدراتها على الشتم والتلفيق والتحامل، تشيع قيما لا تصلح إلا لهدم الثقة في الفاعل السياسي وتتفيه الحياة السياسية.
شخّص جلالة الملك، في العديد من خطبه، أعطاب الحياة السياسية المغربية، ودعا، حفظه الله، إلى فضائل التحلي بالمسؤولية في تمثيل المواطنين وفي خدمتهم بكل تفان وإخلاص، ولن نفقد الأمل أبدا في أن نرى سياسيين يليقون بالمغرب وبتاريخه العريق، ويقدرون على مواجهة التحديات الكبرى التي صارت تواجهها الدول في عالم يخرج من أزمة ليدخل أخرى، فالرحم الوطنية، التي ولدت علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد وبن سعيد آيت إيدر وغيرهم… قادرة على ولادة زعماء آخرين.





