الرأيزاوية القراء

انزِلاق أردوغان في المُستنقع الليبي

عبد الباري عطوان
أعلن الرئيس التركيّ استِعداد بلاده لدُخول الحرب المُشتعلة في ليبيا ووقوفه في خندق حُكومة الوفاق التي يتزعّمها فايز السراج، في مُواجهة الجِنرال خليفة حفتر الذي يُحاصِر العاصمة الليبيّة وتتقدّم قوّاتها بشكلٍ مُتسارعٍ.
الرئيس أردوغان الذي قام بزيارةٍ خاطفةٍ إلى تونس مصحوبًا بوفدٍ يضُم وزيريّ الخارجيّة والدّفاع ومدير المُخابرات وعددا كبيرًا من المُستشارين العسكريين أطلق الرّصاصة الأولى والأهم في هذا التدخّل العسكريّ المُباشر عندما قال “أعطينا وسنُعطي كُل أشكال الدّعم لحُكومة طرابلس”، وأكّد “أنّه سيُلبّي طلبًا لها بإرسال قوّات في إطار التدخّل العسكريّ الرسميّ، بعد إقرار البرلمان التركيّ في دورة انعِقاده يوميّ الثامن والتاسع من شهر يناير المُقبل.
أردوغان سيكون في مُواجهةٍ عسكريّةٍ مُباشرةٍ مع حُلفائه الروس الذين اتّهمهم بـ“إرسال 2000 من الجُنود المُرتزقة عبر شركة فاغنر الروسيّة القريبة من الكرملين، كما أشار إلى 5000 جندي سوداني يحظون بدعمِ مِصر والإمارات”، فيما يتحدّث الطّرف الآخر عن آلافٍ من المُقاتلين المُتشدّدين الذين جرى نَقلُهم من إدلب إلى طرابلس.
هذا التّدهور في العُلاقة بين “الحليفين” التركيّ والروسيّ جاء بعد فشل وفد بعث به أردوغان إلى موسكو للتوصّل إلى اتّفاق وقف إطلاق نار في ليبيا وسورية، وتسوية سياسيّة للأزمتين، فالمُفاوضات التي استغرقت ثلاثة أيام لم تتمخض عن أيّ تفاهمات.
زيارة الرئيس أردوغان إلى تونس خلقت عاصفةً من المشاكل للعهد الجديد برئاسة قيس سعيّد، خاصّةً بعد حديث أردوغان، وفتحي باشااغا، وزير الداخليّة القويّ في حُكومة الوفاق، عن الاتّفاق على تشكيل تحالف تونسيّ جزائريّ تركيّ “لدعم التّعاون الاقتصاديّ والاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ في ليبيا”، الأمر الذي أعطى انطِباعًا بأنّ تونس تقِف في صفّ حُكومة الوفاق في طرابلس، وتُؤيّد التدخّل العسكريّ التركيّ، الأمر الذي نفته رشيدة النيفر، المُستشارة الإعلاميّة لمؤسّسة الرئاسة، وأكّدت أنّ تونس لن تدخُل في سياسة المحاور.
وصول قوّات تركيّة إلى ليبيا ربّما يُشعِل فتيل حرب إقليميّة في المِنطقة بأسرها، ويبدو أنّ الرئيس أردوغان على حافّة الإقدام على “المُغامرة” أو “المُقامرة” الأكبر في حياته السياسيّة، خاصّةً أنّ مُغامرته الأخرى في سورية عادت عليه بالعديد من المشاكل والإخفاقات، فلم ينجح في الإطاحة بالرئيس بشار الأسد وحُكمه، والأخطر هو تدفّق أكثر من أربعة ملايين لاجِئ سوري إلى تركيا.
كان لافِتًا أنّ الرئيس أردوغان تحدّث للمرّة الأُولى، وبكُل وضوح، عن وجود مِليون مُواطن ليبي من أصولٍ تركيّة في ليبيا، وأنّه يتدخّل لحِمايتهم، الأمر الذي أثار العديد من علامات الاستِفهام.
طرابلس ليست مُجاورة لتركيا مِثل سورية، وتفصِلها عنها حوالي ألفيّ كيلومتر من مِياه البحر المتوسّط، الأمر الذي يُثير العديد من علامات الاستفهام حول فُرص نجاح هذا التدخّل العسكريّ التركيّ انطِلاقًا من المعايير العسكريّة المُتّبعة وبالإشارة إلى خُطوط الإمداد، ناهِيك عن وجود دول عُظمى تقِف في الجبهة المُقابلة.
عارَضنا تدخّل حِلف “النّاتو” في ليبيا لأنّنا توقّعنا النّتيجة المأساويّة، رغم رفضنا لكُل أشكال الديكتاتوريّة وغِياب كُل مُؤشّرات الإصلاح في البِلاد، ونُعارض بالقدر نفسه كُل التدخّلات الحاليّة، تُركيّةً كانت أو روسيّة أو إماراتيّة أو قطريّة أو مِصريّة، لأنّ هذه التدخّلات تعني المزيد من المُعاناة للشّعب اللّيبي.
الحسم عَسكريًّا لن يتأتّى سَريعًا لأيّ من الطّرفين المُتحارِبَين، ومن يقول غير ذلك لا يعرِف تاريخ الحُروب في المِنطقة والعالم، فإذا كانت التدخّلات العسكريّة الخارجيّة في سورية تدخُل عامها التّاسع، وفي اليمن عامَها الخامس، والقديمة في ليبيا عامَها العاشر، فكم ستستغرق التدخّلات العسكريّة الحاليّة في ليبيا التي تُجسِّد، مِثل القديمة، مُحاولات الاستِيلاء على ثرَوات البِلاد النفطيّة، وعلى حِساب مُعاناة الشّعب اللّيبي؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى