الرأيزاوية القراء

انهيار الشرق وصعود أوربا

بقلم: خالص جلبي
بدأ حصار فيينا في الرابع عشر من يوليوز من عام 1683 م، وكان القيصر ليوبولد الأول النمساوي قد فر أمام الحملة العثمانية الرهيبة، التي ضمت قرابة ربع مليون جندي، مزودين بأفضل أسلحة ذلك العصر، من المدافع والبنادق ذات الحشوة الواحدة، على ما جاء في الوثائق السلطانية من أيام السلطان محمد الرابع، حيث نقرأ صورا من مجريات المعركة، في هدم أطراف من سور البلدة، أو ضرب مجموعة من الأعداء (مما عجل بروح 40 – 50 من هؤلاء الأوغاد إلى جهنم!). فشلت الحملة واندحر الجيش العرمرم، وأعدم الوزير الأعظم في بلغراد، عاصمة الصرب الحالية، في 25 دجنبر من العام نفسه، أي 1683 م، في أعياد الميلاد المسيحية، وكان البابا إينوسنس الحادي عشر (INNOZENS XI) خلف التحالف المقدس الجديد، حيث اتحدت القوة النمساوية مع قوة من سكسونيا، وقوة من بافاريا (سكسونيا وبافاريا مقاطعتان في جمهورية ألمانيا الحالية)، بالإضافة إلى الجيش البولوني الذي ذكرناه سابقا تحت إمرة الملك البولوني يوحنا الثالث سوبيسكي. بل وأكثر من هذا، حيث ختم السلطان العثماني محمد خان الرابع فترة حكمه الأخيرة التي دامت أكثر من 40 عاما، بهزيمة أشد هولا في السهل المجري في معركة (موهاكز في 12 غشت عام 1687 م)، ذلك السهل الذي كان الجنود الانكشاريون قد خلدوا فيه نصرهم الكبير قبل 160 عاما. ولكن ليست الذكريات ولا الأرض تمنح نصرا أو هزيمة، وإنما تغيير ما بالنفوس، (سنة الله التي قد خلت في عباده). حيث تم عزل الخليفة بعد ذلك ليموت في عام 1687م عن عمر يبلغ 53 عاما قهرا وغما، وليعين من بعده أخوه السلطان (سليمان خان الثاني).

صعود أوربا الفكري
كانت هزيمة القوة العظمى العثمانية ذات نكبة مزدوجة، فهي عجلت بالدولة العثمانية باتجاه التآكل والتحلل والتفسخ ما يذكر بجثة ميت، ليعلن أتاتورك الموت في نعوة عامة تاريخية عام 1928، فيلغي الخلافة بعد ستة قرون من الحياة. وهو ما تكرر حين أعلن غورباتشوف السيناريو نفسه عن إمبراطورية كارل ماركس وستالين ولينين. وفي العام ذاته الذي مات فيه السلطان محمد خان الرابع، أي عام 1687م، كان (إسحاق نيوتن) يكتب فيه كتابه الرائع «الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية Philosophiea Naturalis Principia Mathematica »، فهل هذا له أدنى دلالة في إلقاء ضوء على الأحداث التاريخية وتفسير ما حدث؟
لم يكن كتاب «الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية» سوى القفزة النوعية في تاريخ العقل الإنساني، عندما يبدأ الدخول في مرحلة انعطافية جديدة في تفسير العالم الذي يحيط به؛ فالكتاب كان إذاً المدخل الجديد لفهم عالم جديد. وبالطبع لم يتفطن المسلمون الأتراك ـ فضلا عن المسلمين التابعين لهم ـ ذلك أن الأتراك العثمانيين كانوا يمثلون الطليعة والقيادة والخلافة للأمة الإسلامية آنذاك؛ فلم يتفطنوا إلى هذا التحول النوعي الذي يجري في العالم، من هنا كان قولنا إن التفوق العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية كان تفوقا حضاريا، وكان اقتحام العثمانيين عسكريا بالدرجة الأولى. ما الذي كان يحدث آنذاك في أوربا؟
كان إسحاق نيوتن يضع الموشور الزجاجي أمام الضوء، ليرى تحلل أطياف الألوان السبعة للضوء الأبيض، كان يقوم بتطوير علم (التكامل والتفاضل). وتوصل إلى قانون (الجاذبية) بين عامي 1664 و1666 م. كان يضع كتابه عن علم (البصريات) ويفسر الضوء على أنه جسيمات، وفي عام 1687م الذي ذكرناه كان يقوم بتطبيق قانون الجاذبية على حركة الأجرام السماوية وسقوط الأجسام على الأرض، ثم ليطور علم الديناميكا (بما في ذلك القوانين الثلاثة في الديناميكا المعروفة التي تبدأ بقانون قصور المادة، وتنتهي بقانون كل فعل له رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه)، ثم ليطور بعدها قوانين ميكانيكا السوائل.

الذهول الخفي عن تبدل أحوال الأمم
هذا هو الفرق بين الحقل الذي كان تعيشه أوربا في ذلك الوقت، والمناخ الذي كان يعيشه العالم الإسلامي آنذاك، كان هناك شيء جديد يتفتح في أوربا ونور عقلي يتألق، بينما كان الظلام بدأ في الإطباق على العالم الإسلامي على النحو المأساوي الذي انتبه إليه ابن خلدون في المقدمة، حينما كتب يقول أولا في الصفحة (28) عن التحولات الرهيبة التي تحدث ولا يتفطن إليها إلا الآحاد من الخليقة: (ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال، بتبدل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دوي شديد الخفاء؛ إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة؛ فلا يكاد يتفطن إليه إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر. إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت في عباده).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى