الرأيزاوية القراء

برنارد ليفي في مصراته

عبد الباري عطوان
بعد عشر سنوات من مشاركته الفعالة في تدمير ليبيا عبر مساهمته بدعم «الثورة»، من خلال لعبه دورا كبيرا في إقناع الرئيس الفرنسي السابق نيكولاس ساركوزي بالتدخل عسكريا للإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، واستشهاد أكثر من 30 ألف مواطن ليبي مزقت أجسادهم الطاهرة طائرات حلف الناتو، ها هو «الفيلسوف» برنارد هنري ليفي الذي يصفه أنصاره العرب بأنه الأب الروحي لثورات «الربيع العربي» يحط الرحال في مطار مصراته، ويحظى باستقبال الفاتحين، وينشر لنفسه صورا على وسائل التواصل الاجتماعي محاطا بالمسلحين والمقنعين، وعلامات الفرح بادية عليه.
في كتابه الذي حمل عنوان «الحرب بدون أن نحبها» إلى جانب كتب أخرى وثق فيها يومياته في ليبيا، وصف ليفي كيف كان من أول الواصلين إلى بنغازي لتأييد «الثوار»، وتباهى بقدرته على إقناع الرئيس ساركوزي بالتدخل عسكريا وإرسال طائرات حربية وصلت إلى الأجواء الليبية، وقصفت أهدافا عسكرية فيها.
الأكثر أهمية أن «الفيلسوف» ليفي أكد أنه انطلق في هذه المهمة من عقيدته اليهودية، وخدمة لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي، واستقرارها، وحرصه على قيام علاقات دبلوماسية بينها وبين النظام الليبي الجديد، الذي سيحكم ليبيا بعد الإطاحة بنظام القذافي الديكتاتوري العسكري «الفاسد»، حسب توصيفه.
ليفي وصل إلى مصراته على ظهر طائرة خاصة حصلت على إذن بالهبوط صادر عن سلطات المطار، وبتأشيرة دخول معتمدة من وزارة الخارجية في حكومة الوفاق، ولكن مكتب فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، أصدر بيانا نفى فيه أي علاقة له بها وأمر بالتحقيق لمعرفة «كافة الحقائق والتفاصيل المحيطة بها واتخاذ الإجراءات اللازمة».
شاركت مع برنارد هنري ليفي في أحد أهم البرامج التلفزيونية البريطانية «NewsNight»، الذي كان يقدمه المذيع الشهير جيرمي باكسمان، وكنت ضيفا في الاستوديو في لندن وكانت مشاركة ليفي عبر الأقمار الصناعية من باريس، رفض ليفي في هذا اللقاء إدانة أو حتى انتقاد جرائم الحرب التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في هجومه على قطاع غزة عام 2014، رغم إلحاح مقدم البرنامج، وأيد هذا العدوان لأنه جاء، حسب رأيه، لمحاربة الإرهابيين من حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، مثلما رفض أن يعتبر هذا العدوان الذي أدى إلى تدمير وإعطاب مائة ألف منزل واستشهاد حوالي 3000 شخص، ثلثهم من الأطفال جريمة حرب أو انتهاكا لحقوق الإنسان.
ليفي يعتبر من أشرس المدافعين عن دولة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمها في الأراضي المحتلة، كما كان من بين «المحتفلين» باستفتاء الانفصال الكردي في شمال العراق، وأيد استقلال جنوب السودان، ودعم بقوة المعارضة السورية للإطاحة بالنظام السوري عبر الخيار العسكري.
ليفي يزور ليبيا للأسف، وعبر بوابة رسمية، وفي وضح النهار، ويحظى باستقبال رسمي، ليتفقد «إنجازاته» والاطلاع على نتائج «المعجزة» التي تحققت على أرضها بمساهمة كبيرة منه، أي تحويلها إلى دولة فاشلة ونهب 300 مليار دولار من ودائعها التي أودعها النظام الذي جاء على ظهر دبابة، أو تحت أجنحة طائرات حلف الناتو للإطاحة به وقتل عشرات الآلاف من أبنائه، وتهجير الملايين إلى دول الجوار.
توقيت هذه الزيارة يبدو «مريبا»، ولا نعتقد أنها بنت ليلتها، وإنما كانت نتيجة اتصالات وعمليات تنسيق استمرت أياما إن لم يكن أكثر، فهي تأتي في ذروة الاستعدادات لمعركة «سرت الجفرة» المصيرية بالنسبة إلى الطرفين الخصمين في الشرق والغرب التي تسير الاستعدادات لها على قدم وساق، فهناك «أمور» يجري طبخها في الخفاء ويشكل الفيلسوف ليفي أحد رؤوس الحربة فيها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق