الرأي

بين الأرشيف والواقع

يونس جنوحي
كتب الصحافي الأمريكي كلين كيني، الأسبوع الماضي، مقالا مطولا في «النيويورك تايمز» عن السينما في المغرب، حيث سلط الضوء على مشاهد تابعها لمظاهر اهتمام المغاربة بالفن السابع خلال سبعينيات القرن الماضي، وسرد نماذج لأعمال مغاربة كانوا من أوائل من مارسوا العمل التوثيقي للشوارع في الدار البيضاء والرباط خصوصا، حيث صوروا مظاهر الحياة العامة في المغرب قبل خمسين سنة، وتحولت اليوم إلى توثيق للمرحلة.
السؤال الذي نريد طرحه هنا، بعيدا عن المقال وأبعاده والجوانب الفنية التي أثارها، هو أين هذا الأرشيف؟!
قد يعتقد هذا الصحافي الأمريكي أننا نمزح عند طرح هذا السؤال أو أننا «ظلاميون» نرمي كل شيء بالسواد. إذ إن السينما في المغرب تعيش فعلا على واقع مخفي يتعلق بملكية الأرشيف المغربي المحلي الذي وثق له المغاربة أنفسهم، خصوصا الذين اشتغلوا في مجال السينما قبل نصف قرن ولم يكتب لهم أن يصبحوا نجوما أو مسيرين للشأن الثقافي والإعلامي في المغرب.
في زمن إدريس البصري، وحسب ما يحكيه قدماء التلفزيون، قامت الدولة بشراء آلاف الساعات من الأرشيف الفرنسي المتعلق بالمغرب قبل الاستقلال، وبلغت وقتها تكلفة الصفقة أزيد من مليار سنتيم.
ثم مع مجيء جاك شيراك، أهدت فرنسا للمغرب ساعات أخرى من المقاطع الأرشيفية، عربون صداقة بين الملك الراحل الحسن الثاني وجاك شيراك.
استقر الأرشيف في مكاتب مغلقة، ولا يزال الموضوع إلى اليوم في علم الغيب، إذ إن الباحثين والدارسين وحتى المهتمين والفضوليين لا يمكنهم الاطلاع على هذا الأرشيف الذي يبقى ملكا لكل المغاربة.
وعندما نرى إنتاجات توثيقية أو درامية عن المغرب، نرى أن المنتجين والمخرجين يضطرون إلى ولوج بوابة الأرشيف الفرنسي لشراء ثوان من الأرشيف بمبالغ مهمة، كما لو أننا في المغرب لا نتوفر على أرشيف يمكن الاستعانة به في الإنتاجات التي تعرف المغاربة بتاريخهم.
سنة 2012 أفرجت مؤسسة الأرشيف البريطاني عن آلاف الدقائق التي صورت حول العالم خلال القرن الماضي، وبينها مقاطع عن المغرب يتجاوز عددها الألف مقطع تؤرخ لزفاف المولى يوسف وتوقيع معاهدة الحماية وصولا إلى الأحداث الحرجة التي عرفها المغرب خلال الخمسينيات. كل هذه المقاطع بالمجان لمن أراد الاطلاع عليها. وعندما يتعلق الأمر بشراء حقوق بثها في برامج وثائقية أو بحوث جامعية، فإن التعرفة تكون معقولة مقارنة مع المبالغ التي يفرضها الأرشيف الفرنسي مقابل ثوان قصيرة من الأرشيف المغربي. علما أن البريطانيين تفوقوا على الفرنسيين والمغاربة في التوثيق، إذ إن مؤسسة الأرشيف البريطاني تتوفر على مقطع يوثق لاعتقال الزعيم النقابي المغربي محجوب بن الصديق، حيث يظهر هذا الأخير في سنة 1953 وهو ينظر إلى الكاميرا بوجه تعلوه علامات التعذيب في مخافر البوليس الفرنسي بالدار البيضاء وأمامه محجوزات «النضال» وقتها من سكاكين وسلاسل وهراوات كان ورفاقه يستعملونها لتنفيذ عمليات ضد محلات الفرنسيين وشركاتهم.
الله وحده يعلم كيف تعرضت أشرطة السينمائيين المغاربة للتلف ليضيع المستهترون على المغاربة جميعا فرصة مع التاريخ. وعند مطالعة حدود المتوفر في الأرشيف المحلي هذه الأيام، نجد فعلا أن ماضينا كان أفضل من حاضرنا، بما أن بعض قاعات السينما وحتى المسارح في كل نواحي المغرب، هُدمت تحولت إلى عمارات سكنية تباع فيها شقق بصالون وغرفتي نوم وصالون «مغربي» يا حسرة، هدية لكل مواطن وبسلف للسنوات العشرين المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى