حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةسياسية

تجار الحروب

تقول الحكاية إن زبونا دخل سوقا صغيرا للخضر والفواكه في أحد الأحياء الشعبية، فاستفسر عن سبب ارتفاع ثمن «الخبيزة»، وهي نبتة برية تنمو في الحقول وتُعد من الخيرات التي يجود بها المطر على الأرض، ليجيبه البائع بثقة بأن السبب يعود إلى الحرب الإيرانية الأمريكية، فاستغرب الزبون من هذا التفسير العجيب، وخاطب البائع أن الخبيزة منتوج محلي ينبت بفضل رحمة السماء التي تهاطلت على أقاليم المملكة، ولا علاقة له لا بمضيق هرمز ولا بتكاليف الاستيراد ولا بأسعار النفط في الأسواق العالمية.

ونورد هنا هذه الحكاية الطريفة؛ لأنها تختزل ظاهرة خطيرة تتكرر كلما انتشر فيروس ما، أو اندلعت أزمة دولية، أو حرب في منطقة من العالم، وهي ظاهرة «شناقة الأزمات»، أو ما يمكن تسميتهم بتجار الحروب، إذ مع بداية أي توتر دولي، يخرج إلى السطح من يترقب الفرصة لرفع الأسعار والترويج لخطاب الندرة وارتفاع الكلفة، حتى وإن كانت السلع المعنية محلية الإنتاج ولا تتأثر مباشرة بتقلبات السوق العالمية.

وقد تابع الرأي العام مشاهد الفوضى التي عرفتها بعض محطات الوقود بمجرد تداول أخبار عن زيادات مرتقبة في أسعار المحروقات، حيث أغلقت بعض المحطات أبوابها مؤقتا حتى تبيع مخزونها بالسعر الجديد، بينما سارعت أخرى إلى رفع السعر، قبل دخول الزيادة حيز التنفيذ، وهي ممارسات لاقت احتجاجا وسخطا من السائقين، وتقدم صورة واضحة عن الجشع الذي ينتشر في قطاعات حيوية، عندما تُستغل الأزمات والحروب لتبرير الربح السريع.

ولا شك أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط، وإغلاق إيران للملاحة البحرية في مضيق هرمز، أو التهديد بمهاجمة القوافل التجارية واحتجاز السفن، كلها عوامل تهدد بتعميق أزمة اضطراب سلاسل التموين العالمية، سواء تعلق الأمر بالمحروقات أو بالمواد الغذائية والصناعية، ومثل هذه التطورات تنعكس عادة على الاقتصاد العالمي بأكمله، بما في ذلك الاقتصاد الوطني، لأن العولمة جعلت الأسواق متشابكة بشكل معقد، لكن الاعتراف بهذه التداعيات الواقعية لا يجب أن يتحول إلى ذريعة مفتوحة لكل من يرغب في الزيادة في الأسعار دون مبرر.

فتجار الحروب ليسوا فقط أولئك الذين يتاجرون في صفقات التسلح، أو يرسمون الاستراتيجيات الكبرى للصراعات الدولية، بل القائمة تشمل أيضا من يستغلون الخوف والظروف الاستثنائية لفرض زيادات غير مبررة على السلع والخدمات، ومن يغتنمون لحظات القلق الجماعي لرفع هوامش الربح إلى مستويات مبالغ فيها، غير مبالين بالضغط الذي يثقل كاهل الأسر ولا بروح التضامن التي تقتضيها الأزمات.

وهنا طبعا تبرز أهمية الصرامة في تفعيل لجان المراقبة لحماية المستهلك، سواء خلال فترات الحروب وما يصاحبها من اضطراب في سلاسل الإمداد، أو حتى خلال الأيام العادية، لأن السوق الوطنية تحتاج إلى قواعد واضحة وتطبيق حازم للقانون، حتى لا تتحول الأزمات الدولية إلى فرصة مفتوحة للمضاربة والجشع. كما أن الضرب بيد من حديد على تجار الأزمات يبعث رسالة قوية مفادها أن حماية القدرة الشرائية للمواطنين ليست شعارا، بل التزام فعلي من مؤسسات الدولة.

وبالعودة إلى التوجيهات الملكية السامية، التي أكدت في مناسبات عديدة على ضرورة تعزيز الإنتاج الوطني في القطاعات الحيوية، ودعم مشاريع الاحتياطي الاستراتيجي من المحروقات وتوسيع طاقات التخزين، إضافة إلى تشجيع مشاريع الطاقة النظيفة، يتضح البعد الاستراتيجي لهذه الرؤية. فهذه التوجيهات تهدف في العمق إلى ضمان السير العادي لحياة المغاربة حتى في أسوأ الظروف المحتملة، عبر تقوية مناعة الاقتصاد الوطني والاستعداد المسبق لمواجهة الأزمات المعقدة، واتجاه الحروب لصناعة قوى عالمية وتكتلات جديدة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى