الرأي

ترامب.. الشخص والشبح

سامح راشد

خرج دونالد ترامب من البيت الأبيض، وهو يلوح بالعودة إليه. وعلى الرغم من أن اقتحام من وصفوا بأنصاره مبنى الكونغرس كان نقطة فاصلة ساعدت على إتمام عملية نقل السلطة إلى الرئيس بايدن بسلام، إلا أن عملية الاقتحام ذاتها، وما سبقها من إشارات تحريضية لترامب، قبل أن يتراجع ويغير خطابه خشية الملاحقة القانونية، كانت كفيلة بإثارة هواجس حقيقية من نياته، ليس شخصا وحسب، ولكن أيضا بصفته رأس حربة الظاهرة، أو بالأحرى التيار اليميني المتطرف الذي بدأ يفرض نفسه فاعلا مهما على الساحة الأمريكية.
من شأن ذلك التداخل العضوي بين العنصري الشعبوي وموجة التطرف اليميني المتصاعد أن يكسب إشارات ترامب وتلميحاته، في ساعاته الأخيرة، أهمية كبيرة ودلالات يجب التوقف عندها. فهي إن لم تكن تعني أن ترامب عائد أو لن يغادر الساحة أصلا، فهي مؤشر على أن التيار الذي يقوده أو يرمز إليه ترامب، لن يعجز أن يجد قيادة أو رمزا آخر، يجسد جموح شريحة معتبرة من المجتمع الأمريكي وعنصريتها وتطرفها.
وإذا كان ترامب قد أخطأ بدفع هؤلاء المتطرفين إلى الاعتداء على مبنى الكونغرس بشكل همجي أقرب إلى الإرهاب من الاحتجاج، فإن ذلك الانفلات ذاته هو الذي ساعد على تمرير مراسم تنصيب بايدن بسلام، بعد أن تراجع الترامبيون «اليمينيون» خطوة إلى الوراء أمام انتفاضة الأمريكيين الغيورين على ديمقراطيتهم.
كشف تضارب مواقف ترامب وتصريحاته في الساعات الأخيرة لرئاسته المأزق الذي يعانيه، باعتباره رئيسا دعا إلى الفوضى، وحرض بغرض انتهاك حرمة مقار مؤسسات رسمية وكياناتها، ولكونه قائدا أو رمزا لتوجه يميني عنصري تنامى بين الأمريكيين. لذلك جاءت كلمات ترامب الأخيرة غامضة غير متسقة، وتدعو إلى التساؤل والتفكر في نياته المستقبلية، خصوصا في ظل الإحباط الذي أصاب مناصريه، بعد تصريحاته الاستدراكية بشأن ضرورة محاسبة أولئك الذين اقتحموا الكونغرس.
حاول ترامب الهروب من تبني موقف واضح، قد يحسب عليه، وقد يستخدم ضده قضائيا، فركز في كلمته الوداعية في قاعدة أندروز الجوية، بعد مغادرته البيت الأبيض، على أنه حقق إنجازات غير مسبوقة، وقطع أشواطا نحو استعادة «أمريكا العظيمة».
ويتضافر هذا التوقع مع كلمة ترامب التي ألقاها في باحة البيت الأبيض قبل مغادرته، حيث قال مودعا الصحافيين: «وداعا.. آمل ألا يكون طويلا»، ثم أكد المعنى ذاته في قاعدة أندروز بالقول: «سنعود بشكل أو بآخر». وكان ترامب قد سجل كلمة قبل مغادرته بيومين، قال فيها لأنصاره: «لقد بدأنا حركة ستستمر». ولا تعني هذه الإشارات المتتالية فقط أنه لا يزال غير معترف بالهزيمة، بل الأهم أنها تكشف نيته عدم الخروج من الساحة السياسية.
والأهم أن ترامب العنيد المراوغ قد يجد في استمرار الوجود السياسي، وإن من خارج البيت الأبيض، مخرجا له ومدخلا لمواجهة الملاحقات القضائية والإعلامية التي تنتظره، والرد على خصومه، بطريقة أن الهجوم أفضل طريقة للدفاع.
لا يعني ذلك أن ترامب سينجح سياسيا، أو لاعبا جديدا في المشهد الأمريكي، لكنه سيبقى رمزا وتجربة تغري مؤيديها بالتكرار. وسيظل ترامب، الشبح والرمز والفكرة، باعثا لآمال المتطرفين والعنصريين داخل أمريكا وخارجها. وإن كان ترامب «مات» سياسيا، فروحه ملهمة ومغذية ليمينية 74 مليون أمريكي وتطرفهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى