الرئيسيةملف التاريخ

جبل طارق.. التاريخ المنسي للمستعمرة البريطانية

يونس جنوحي
كانت سياسة جبل طارق تتغير بتغير السلاطين المغاربة. فمثلا يوم 28 نونبر 1822، عرفت المنطقة استنفارا كبيرا بسبب وصول خبر وفاة المولى سليمان. الخبر جاء من مراكش ونزل كالصاعقة على رؤوس مدبري أمور منطقة جبل طارق البحرية، حيث كان بعض الدبلوماسيين الإنجليز يستعدون للقائه في مراكش.
إلا أن خبر الوفاة أربك كل شيء، واضطر الوفد إلى البقاء في جبل طارق لأيام قبل أن يتقرر عودتهم وإرسال مبعوث بريطاني يشغل منصب قنصل عام، حيث تم التنسيق من جبل طارق لاستقبال رسمي لهذا المبعوث من طرف السلطان الجديد المولى عبد الرحمن، وضرب مكان اللقاء في فاس، حيث كان البريطانيون يضعون أيدهم على صدورهم مخافة أن تسحب منهم كل الامتيازات إلى صالح فرنسا التي كانت وقتها في حالة حرب ضروس ضد بريطانيا.
وقبل ذلك بسنوات، كان وزير الخارجية الفرنسي قد أرسل إلى السلطان رسالة يطلب منه فيها باسم الحكومة الفرنسية، أن يقطع علاقته مع بريطانيا نهائيا ويقطع كل التسهيلات والمبادرات بين البلدين.
هذه النقطة كانت موضوع خلاف كبير بين فرنسا والمغرب. حيث إن السلطان المولى سليمان استقبل سنة 1806 القنصل البريطاني العام، وأكد له أن الرسالة التي توصل بها من الخارجية الفرنسية لن تغير أبدا من مواقف المغرب في علاقته بمنطقة جبل طارق.

النقطة البحرية التي أفاضت الكأس
في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، كانت منطقة جبل طارق على موعد مع التاريخ. إذ أن أحد المشاركين في الانقلاب الذي استهدف الطائرة الملكية في 16 غشت 1972 ويتعلق الأمر بالكولونيل أمقران، فر على متن مروحية بعد أن تبين له أن الانقلاب الذي قاده الجنرال أوفقير قد فشل، وأن طائرة الملك الراحل الحسن الثاني قد حطت على الأرض بسلام رغم الأضرار.
خلق هذا الكولونيل أزمة دبلوماسية حادة بين المغرب وبريطانيا، حسب ما كشفته وثائق المخابرات البريطانية، على لسان أحد خبرائها السابقين، جيمس كريغ، الذي كان في قلب الزوبعة وقتها.
إذ أن خبر وصول أمقران بطائرة الهيلوكوبتر إلى مضيق جبل طارق ونزوله بها طلبا للجوء سرعان ما وصل إلى الرباط.
إذ بمجرد ما طلب أمقران الإذن بالهبوط في جبل طارق حتى راسل الحاكم سلطات بريطانيا يخبرهم بالوضع، خصوصا وأن أمقران كان يطلب اللجوء عبر الراديو، وليس فقط الإذن بالهبوط.
خرج وزير الخارجية المغربي، أحمد الطيبي بنهيمة، في ندوة صحافية عقب فشل الانقلاب، وتحدث إلى الوكالات الدولية والمحطات العالمية التي كانت أنظارها موجهة إلى المغرب، عن ما جرى في جبل طارق، حيث أكد للصحافة الدولية أن أمقران نزل في جبل طارق وتم الاستماع إليه وأكد أنه شارك في الانقلاب ضد الملك الحسن الثاني مع مجموعة من الضباط يترأسهم جنرال مغربي يبدأ اسمه العائلي بالحرف O، في إشارة إلى الجنرال أوفقير.
المراسلة البريطانية التي رفعت عنها السرية، ذكرت أن الوزراء البريطانيين كانوا تحت ضغط شديد بسبب التزامات بريطانيا بمعاهدات تسليم الأسرى وطالبي اللجوء وقوانين الهجرة في جبل طارق. إذ أن نص الوثيقة عددت نقاطا لعواقب ومؤثرات عدم تسليم الحكومة البريطانية للكولونيل أمقران للمغرب، أهمها أن المغرب قد يقطع كل أشكال الإمدادات على بريطانيا من مواد غذائية وصناعية ومؤن، وسوف يكون توفيرها مكلفا جدا إذا امتنع المغرب عن مواصلة إرسالها إلى المضيق.
كانت هذه باختصار آخر الأزمات الكبيرة التي عاشها المغرب وبريطانيا على مستوى جبل طارق.
لكن أولى تلك الأزمات، والتي تعود إلى عهد السعديين ثم بداية عهد العلويين خصوصا مع المولى إسماعيل الذي حكم المغرب ما بين سنوات 1672 و1727، كانت بسبب الإمدادات أو بسبب الحرب مع إسبانيا والبرتغال.
إذ أن ميناء جبل طارق لا يزال إلى اليوم يحتفظ بأسوار تدل على الحرب الضروس التي عرفتها المنطقة بسبب الأزمات بين إسبانيا والمغرب منذ عهد طارق ابن زياد وصولا إلى آخر الحروب بين إسبانيا والمغرب والتدخل البريطاني. إذ أن بعض الأسوار القديمة المحيطة بميناء جبل طارق تحمل بوضوح علامات البناء المنتشر وقتها في الموانئ المغربية، وبعض أطرافه تعرضت للقصف ولا تزال تحمل علاماته، أو ما تبقى منها، إلى اليوم.
هذه النقطة البحرية، كانت توفر للمغرب عائدات ضخمة أنعشت خزينة الدولة لسنوات، كما أنها في محطات أخرى كانت وراء تضرر الاقتصاد المغربي بسبب الرقابة وأحيانا تجميد مداخل المغرب من طرف الإسبان ثم الفرنسيين لاستخلاص ديونهم أو غراماتهم.

جبل طارق…حرب الشاي والسكر
لكي يمرر البريطانيون الإمدادات التي كانت تصلهم من المغرب، كانت السفن البريطانية تشحن من وكالاتها في جبل طارق، وتلتف بعيدا عن السواحل الإسبانية لتغادر المضيق في اتجاه بريطانيا. إذ أن الطريق البري وقتها لم يكن متاحا للشركات البريطانية بسبب حربهم ضد فرنسا وإسبانيا.
وهو ما جعل مضيق جبل طارق يصبح المركز الأكثر طلبا وشعبية لدى البريطانيين في علاقتهم مع إفريقيا عموما والمغرب على وجه الخصوص.
كان السلطان المغربي، المولى إسماعيل قد جعل من مضيق جبل طارق، مركزا لتبادل الأسرى في واحدة من أقوى المعاهدات التي ربطها المغرب في عهده مع الإسبان والبرتغاليين. إذ تم اعتبار جبل طارق نقطة آمنة للقيام بعمليات التبادل.
كما أنه كان منافسا كبيرا لكل من ميناء الصويرة والجديدة، وهما الميناءان اللذان كانا يوفران لخزينة الدولة المغربية آلاف الفرنكات سنويا، وهي الفرنكات التي أبقت الاقتصاد المغربي على قيد الحياة في أحلك الأزمات الاقتصادية التي عرفها المغرب.
جبل طارق، كان بوابة اقتصادية نحو المغرب لكنه تأثر كثيرا بالخلافات السياسية. إذ أن السكر المغربي، الذي كان الأكثر طلبا في بريطانيا، كان يشحن في جبل طارق ويوزع على الشركات البريطانية التي اقتسمت غنيمة احتكار توزيعه في بريطانيا ومستعمراتها، وحول المغرب في عهد السعديين إلى حدود سنة 1650 إلى جنة لاستيراد أجود أنواع السكر.
أما الشاي فقد كان يشحن أيضا من إفريقيا بعد أن تأتي به شبكات التجار المغاربة، ويشحن من الموانئ المغربية في اتجاه جبل طارق.
ورغم أن المخزن المغربي قد سهل للشركات الأجنبية عملية الاستيراد، إلا أن البريطانيين على وجه الخصوص ظلوا يستعملون منطقة جبل طارق للقيام بالإجراءات الإدارية الخاصة بهم، إلى درجة أن المغرب عيّن موظفين مخزنيين يمثلون الدولة المغربية لمواكبة استخلاص الضرائب وتفقد السجلات، وهو ما كان موضوع إحراج للبريطانيين إلى حدود نهاية القرن 19، حيث كان أعوان المخزن وممثلو القصر الرسميون في جبل طارق يشرفون على تفقد كل أنواع المواد المصدرة إلى بريطانيا، بما فيها بعض الهدايا التي تلقاها المغرب عربون صداقة من البريطانيين مثل عربة ملكية وسلسلة من الآلات عبرت كلها من جبل طارق إلى ميناء طنجة أو الدار البيضاء.
كان بعض تجار الشاي والسكر مطلوبين للعدالة في بريطانيا، واحتموا بجبل طارق تحت أعين الحكوميين البريطانيين، إلا أن شكايات المخزن المغربي ببعضهم، خصوصا النصابين الذين توسطوا للمغرب في صفقات السلاح خلال عهد المولى عبد الرحمن ثم مع المولى الحسن الأول أيضا، إلى حدود سنة 1880، كانوا جميعا يحتمون بجبل طارق، إلا أن مطالبة المغرب الحكومة البريطانية بعقابهم، عجّلت برحيلهم من النقطة البحرية، بل وتطور الموضوع في حالة مهرب بريطاني من أصل مغربي، ويتعلق الأمر بتاجر يهودي من الصويرة حصل على الجنسية البريطانية، سنة 1853، إلى حد المطالبة بتسليمه من جبل طارق إلى المغرب. إلا أن علاقات بعض الدبلوماسيين البريطانيين بالمخزن حالت دون تحقيق العقوبة، إذ تم أداء غرامة تعويضية للمخزن، عن المبالغ التي اتهم التاجر باختلاسها من عائدات ضرائب في جبل طارق عن احتكار استيراد الشاي، وتمت إعادتها إلى الدولة المغربية مقابل إسقاط طلب اعتقاله وتسليمه من سلطات جبل طارق.

مضيق جبل طارق..أزمات وصداقات أيضا
لأزيد من قرن ونصف، كانت منطقة جبل طارق معبرا لعدد من الشخصيات التي استقرت في المغرب أو مارست به مهام دبلوماسية وسياسية وحتى صحافية. كلهم عبروا من جبل طارق أو توقفوا به لأيام امتدت أحيانا إلى أسابيع وأشهر من الترقب.

جبل طارق كان بالنسبة للبريطانيين، تلك النقطة التي تتبع سياسيا لحكومة بلادهم، لكنه جغرافيا كان بوابة على المغرب حيث كان النقطة التي يعبر منها جل الزوار الأوروبيين إلى «مملكة السلطان» المغربي.

وفي بداية القرن الماضي، وتحديدا في سنة 1905، تم إنشاء بعض النوادي الرياضية البريطانية التي ينطلق المنخرطون فيها أسبوعيا من جبل طارق إلى طنجة لممارسة الرياضات الأكثر شعبية كالطيران على متن الطائرات الصغيرة، وهي الرياضة التي ازدهرت أكثر بعد الحرب العالمية الأولى، بالإضافة إلى رياضة الغولف، والتي كان جل أثرياء جبل طارق يرغبون في ممارستها بملعب طنجة، حيث كانوا يتسابقون للحصول على عضويته.

كانت سياسة جبل طارق تتغير بتغير السلاطين المغاربة. فمثلا يوم 28 نونبر 1822، عرفت المنطقة استنفارا كبيرا بسبب وصول خبر وفاة المولى سليمان. الخبر جاء من مراكش ونزل كالصاعقة على رؤوس مدبري أمور منطقة جبل طارق البحرية، حيث كان بعض الدبلوماسيين الإنجليز يستعدون للقائه في مراكش.

إلا أن خبر الوفاة أربك كل شيء، واضطر الوفد إلى البقاء في جبل طارق لأيام قبل أن يتقرر عودتهم وإرسال مبعوث بريطاني يشغل منصب قنصل عام، حيث تم التنسيق من جبل طارق لاستقبال رسمي لهذا المبعوث من طرف السلطان الجديد المولى عبد الرحمن، وضرب مكان اللقاء في فاس، حيث كان البريطانيون يضعون أيدهم على صدورهم مخافة أن تسحب منهم كل الامتيازات إلى صالح فرنسا التي كانت وقتها في حالة حرب ضروس ضد بريطانيا.

وفعلا تم ترتيب اللقاء، وجاء القنصل العام البريطاني الجديد حاملا معه برقية تهنئة وعددا من الهدايا إلى المغرب باسم الصداقة، مع التأكيد على بقاء جبل طارق في مكانه الريادي، بوابة للبريطانيين على إفريقيا مقابل تمتيع المغرب بعدد من الامتيازات أهمها السيطرة على ما يرد إلى المضيق من بضائع وحمولات.

كان مضيق جبل طارق أيضا مسرحا لعدد من الأحداث الأخرى المفصلية، أهمها وصول وفود دبلوماسية خلال ما عرف وقتها بتداعيات مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي عقد للنظر في الأزمة المغربية. إذ كانت الأنظار كلها تتجه إلى منطقة جبل طارق التي كانت مسرحا لحرب باردة، وأحيانا تطلق فيها النار، بين فرنسا وبريطانيا بسبب الامتيازات في المغرب.

هذا كله أهّل جبل طارق لكي يكون الملف الأكثر شعبية وضبابية معا، في المفاوضات بين المغرب وعدد من الدول الأوروبية.

إذ رغم إنزال البريطانيين الكبير في جبل طارق، واعتبار المنطقة مقاطعة بريطانية تحت التاج البريطاني، إلا أنها ظلت لعقود طويلة متأثرة بالأوضاع في المغرب، وتخضع سياسيا وأمنيا لما يعيشه المغرب طوال تلك السنوات.

كواليس رسالة الخارجية الفرنسية إلى المولى سليمان

في سنة 1805، كان موقف المغرب حساسا للغاية. كان الأمر يشبه نزع فتيل قنبلة قد تنفجر في أية لحظة.

إذ أن العلاقات المغربية البريطانية كانت متوترة بسبب بعض الأحداث التي راح ضحيتها موظفون بريطانيون في عدد من المدن المغربية.

كان القصر يعتبر أن بريطانيا هي الصديق والحليف الوحيد الذي يتوفر عليه المغرب في عز حربه في السواحل ضد الإسبان والبرتغاليين.

وهكذا تسلط الضوء على منطقة جبل طارق التي دخلت وقتها رسميا تحت النفوذ البريطاني منذ مدة، ولم يعد موضوع مناقشة نفوذ الإسبان في تلك النقطة مطروحا بأي شكل من الأشكال.

وهكذا فقد أصدر القصر الملكي في فاس مرسوما يؤكد موافقة السلطان على تصدير الماشية إلى منطقة جبل طارق بضرائب منخفضة عربونا على حسن النوايا.

وقد تطرق المؤرخ البريطاني «الدكتور روجرز» في مصدره: تاريخ العلاقات المغربية البريطانية إلى حدود سنة 1900، إلى هذه الواقعة. وكتب:

«كانت موافقة السلطان على تصدير الماشية إلى جبل طارق بالرسوم المنخفضة دليلا على رغبته القوية في الابقاء على حسن العلاقات مع بريطانيا التي اعتبرها المدافع الوحيد عنه في مواجهة الفرنسيين والإسبان. وكان الأسطول البريطاني الدرع الأساسي في القيام بهذا الدور. وكان هذا الأسطول بدوره يعتمد على حسن النوايا المغربية للحصول على الامدادات المطلوبة أثناء طوافه في البحر المتوسط أو المحيط الأطلنطي. وكان نلسون قائد هذا الأسطول قلقا من هذه الحقيقة أشد القلق. وقد عبر عن هذا القلق في الرسالة التي كتبها إلى القنصل العام السيد «ماترا» من على ظهر سفينته فيكتوريا والتي كانت راسية أمام لشبونة والمؤرخة في 25 شتنبر عام 1805 قبل أسابيع قليلة من موقعة الطرف الأغر، وقد جاء فيها:

«ينبه عليكم اللورد كاسلري باستخدام كل ما لديكم من نفوذ وبذل كل ما تملكون من جهد حتى يحصل الأسطول في أي ميناء بالمغرب على احتياجاته من الثيران والأغنام والدجاج وأي شيء آخر، وأن يؤتى بها إلى السفن وهي أحياء حالما أطلبها. ولما كان من المرغوب فيه أن نكون على أحسن وفاق سواء مع الامبراطور أو مع حاكمي طنجة وتطوان أو غيرهم من الرجال في تلك الجهات فأكون شاكرا إذا ما أبلغتموني المطلوب مني تجاه هؤلاء الأشخاص وسوف أحصل عليه وأرسله إلى كل منهم مع الخطاب المناسب إذا ما كتبتم إلي بأسمائهم وألقابهم. باختصار ينبغي أن نكون على أحسن حال معهم. وأرجو أن تقدم كل عون في ابقائنا على أفضل الحكومة والحكام.. الخ. الواقعين في دائرة قنصليتكم والتي تعتمد عليها حالة الأسطول تحت قيادتي إلى حد بعيد».

بعد وفاة السيد ماترا، كما أشار إلى ذلك المؤرخ الدكتور روجرز، فإن السلطان أصدر مرسوما جديدا في فاس، أسقط كل الرسوم المفروضة على السلع المرسلة من المغرب إلى منطقة جبل طارق، واحتفظ بنفس الرسوم القديمة في ما يخص سلعا أخرى. وهو ما اعتبر وقتها بادرة دبلوماسية مغربية على قدر كبير من الكياسة.

حتى أن وزير الخارجية الفرنسي أرسل إلى السلطان رسالة يطلب منه فيها باسم الحكومة الفرنسية، أن يقطع علاقته مع بريطانيا نهائيا ويقطع كل التسهيلات والمبادرات بين البلدين.

هذه النقطة كانت موضوع خلاف كبير بين فرنسا والمغرب، حيث إن السلطان المولى سليمان استقبل سنة 1806 القنصل البريطاني العام، وأكد له أن الرسالة التي توصل بها من الخارجية الفرنسية لن تغير أبدا من مواقف المغرب في علاقته بمنطقة جبل طارق.

قبل 200 سنة.. الحرب الخفية بين التجار المغاربة على جبل طارق
كاد المغرب في عهد المولى سليمان دائما، أن يدخل في أزمة تخص قطاع المواشي. إذ بسبب تناسل سنوات الجفاف، كان الفلاحون المغاربة يعانون مع نفوق الأبقار وتراجع رؤوس الأغنام، في نفس الوقت الذي يشجع فيه التجار البريطانيون في جبل طارق على استيراد المواشي من المغرب.

انتبه موظفو الجمارك المخزنيون إلى أن بعض التجار اليهود من فاس على الخصوص، قد حققوا عائدات مالية ضخمة من وراء تجارة رؤوس الأبقار والأغنام وشحنها بحرا صوب جبل طارق، حيث كانت تعود عليهم هذه التجارة بآلاف الفرنكات سنويا، بالإضافة إلى ظهور المضاربات المالية وتنافس التجار البريطانيين على شحن كل ما يصل من المغرب في اتجاه لندن ومانشستر. وهو ما جعل الأسعار تقفز إلى مستويات غير مسبوقة، تضيف أرباحا صافية إلى خزائن التجار دون أن يستفيد منها المخزن.

وهكذا تدخل المولى سليمان لإنصاف الفلاحين المحليين المغاربة، وأمر ألا يتجاوز عدد الرؤوس المصدرة سنويا ألفي رأس، وفوض للجمارك في الموانئ المغربية صلاحيات مراقبة التحكم في أسعار البيع.

كان هناك مخزنيون مكلفون بهذه المهام، إلى درجة أن الصحافة البريطانية في مارس 1806 كتبت عن هؤلاء المخزنيين وتكوينهم العالي في استخلاص الضرائب وعدم الخضوع لضغوط مندوبي الشركات البريطانية الذين كانوا يسيطرون على التجارة في الشرق.

اضطر هؤلاء التجار المغاربة إلى التصويت على بعثة من نخبهم إلى القصر الملكي في فاس، للمثول أمام السلطان وشرح كواليس المضاربات في الأسعار والتماس العفو منه على بعض التجار الذين طالهم العقاب لأنهم تحايلوا على نظام الضريبة. إلى درجة أن اسم «جبل طارق» وحده، كان كافيا لجعل هؤلاء التجار يعيدون حساباتهم ألف مرة قبل أن يقرروا رفعها إلى موظفي الجمارك للتحقيق في حجم معاملاتهم التجارية.

الخلاصة أن المغرب في عهد القنصل العام السيد «ماترا» وعهد السلطان المولى سليمان، أسس لعلاقة دبلوماسية متينة مع ممثلي القصر البريطاني في جبل طارق. وعندما توفي هذا القنصل، خلفه قنصل آخر اسمه جيمس كرين. هذا الأخير تلقى رسالة من القصر البريطاني، وصلته إلى جبل طارق وتتضمن تعليمات إليه:

«عليك أن تعلم أن واحدا من أهم أهداف سفارتكم، يتمثل في بذل كل جهد ممكن لتوفير الإمداد باللحوم والحبوب والخضروات والماء وكل أنواع التموين لأسطول جلالة الملك ولحاميتي جبل طارق..».

ورغم أن العلاقات بين المغرب وبريطانيا كانت متينة في ما يتعلق بملف جبل طارق، إلا أن هذا القنصل العام الجديد ارتكب حماقة، عندما أراد أن يقنع المولى سليمان برفع سقف الإمداد المغربية في جبل طارق، وحاول تذكير السلطان مولاي سليمان بدور بريطانيا في حماية المغرب بحرا من الغارات الفرنسية المحتملة، فكان السلطان صارما في عدم تلبية طلب القنصل العام المتمثل في رفع الإمدادات وأعطى أوامر لجباة الضرائب المغاربة ألا يسمحوا نهائيا بتجاوز المسموح به.

قصة «القنصل العام للإمبراطورية المغربية»

في سنة 1902 سوف تعرف منطقة جبل طارق حدثا غاية في الأهمية.

إذ أن المخزن قرر إرسال القايد عبد الرحمن بن عبد الصادق، وكان معه كاتبه الحسن بن محمد الغسّال، إلى لندن لبحث مضامين اتفاقيات بين المغرب وبريطانيا في عهد الملك إدوارد السابع.

خرج الوفد المغربي الرسمي، والذي يسمى في أعراف المخزن القديم «السفارة»، من فاس وصولا إلى طنجة حيث ركب سفينة وضعت رهن إشارته لتقل أعضاءه إلى مضيق جبل طارق، حيث كان مسؤولون بريطانيون ينتظرون هناك وصول القايد عبد الرحمن وترتيب برنامج الرحلة معه لتحديد موعد مع الملك إدوارد السابع.

لم يكن هذا السفير المغربي الأول إلى بريطانيا فقد سبقه سفراء مغاربة كثر منذ عهد المولى إسماعيل. لكن المميز في قصة هذا السفير أنه كان أول مغربي يحصل على ما يمكن أن نسميه جواز سفر مغربي.

ما وقع أن موظفي الديوان البريطاني كانوا ينتظرون في جبل طارق، لم يكن السفير يحمل معه سوى الرسالة التي يحملها من القصر الملكي في فاس، ولم يكن معه أي إثبات هوية. بينما كان موظفو الديوان الملكي في لندن قد بدأوا وقتها سياسة خاصة تقتضي بتحديد هوية الدبلوماسيين والسياسيين والقناصلة والسفراء الذين حددوا موعدا مع الملك إدوارد السابع. وهو ما خلق مشكلا حقيقيا أمام القايد عبد الرحمن.

إلا أن المغرب وقتها كان يتوفر على ممثل للسلطان في مضيق جبل طارق. وهو رجل من مدينة طنجة عينه القصر في المنطقة خلال فترة حكم المولى الحسن الأول، وكانت مهمته تتحدد في تنظيم المعاملات والوثائق التي تهم الشأن المغربي في العلاقات مع بريطانيا من جبل طارق.

اهتدى هذا القنصل، واسمه عبد السلام بوزيان، إلى حل يتمثل في إصدار ورقة بمثابة جواز سفر، يشهد فيها أن حاملها هو القايد عبد الرحمن وتتيح له التنقل بصفته سفيرا للسلطان المغربي إلى إدوارد السابع. وسلمت وثائق مماثلة لها لكل أعضاء الوفد المغربي كل باسمه وصفته والمهمة التي عبر بسببها من جبل طارق في اتجاه بريطانيا.

كانت حاجة المغرب إلى قنصل عام في جبل طارق مُلحة. ولم تكن وليدة تلك الواقعة التاريخية التي يمكن أن نقول إنها كانت وراء إصدار أول جواز سفر مغربي في التاريخ، وإنما كانت الحاجة إليها منذ زمن الاتفاقيات بين المغرب وبريطانيا خلال القرن 19 خصوصا. إذ كان المخزن يحتاج إلى موظف موثوق يتولى التعامل الإداري مع ممثلي بريطانيا في جبل طارق، خصوصا أثناء صفقة تسلم المغرب لما يزيد عن 18 مدفعا ثقيلا لتسليح السفن المغربية بعد واقعة اعتداء تعرضت لها قرب جبل طارق من قبل سفن فرنسية، وتدخلت بريطانيا لحمايتها وتم توقيع اتفاق في جبل طارق بين المغرب وبريطانيا بموجبه حصل المغرب على المدافع لحماية السفن في المضيق البحري الذي كانت تراقبه أساطيل بريطانية.

كانت الحاجة إلى قنصل مغربي في طنجة تزداد مع تزايد أعداد الشركات الأجنبية التي فتحت في الميناء بهدف استيراد السلع والمواد المغربية. إذ كانت مهمة القنصل مراقبة سير التجارة المغربية وإعداد تقارير عنها، بالإضافة إلى مراقبة الوفود الأجنبية من كل الدول الأوربية التي كانت تتجه صوب المغرب للقاء السلطان في قصر فاس، أو لتعزيز مكاتبها الدبلوماسية في طنجة الدولية. وكان هذا القنصل العام يجمع أخبار الوفود الأجنبية خصوصا الفرنسيين والألمان، ويبعث بها إلى قصر فاس، حيث كانت تلك التقارير تعزز من حظوظ المغرب للتعامل بحرص مع طلبات لقاء الدبلوماسيين الأجانب مع السلطان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى