الرأي

حقيقة نهاية تنظيم «داعش»

محمد عايش

تقارير عديدة واردة من سوريا تتحدث عن عودة قوية لتنظيم «داعش» وسيطرته على مساحات واسعة من البادية والمناطق غير المأهولة بالسكان، وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤال: هل انتهى التنظيم فعلا؟ أم أنه كان منشغلا فقط في إعادة تنظيم صفوفه وبيته الداخلي، من أجل العودة إلى العمل مجددا في سوريا والعراق، وربما أماكن أخرى وبوسائل جديدة؟
إذا صحت المعلومات عن حراك نشيط لمقاتلي التنظيم وخلاياه وتنفيذهم هجمات واسعة خلال الأيام الماضية في المناطق التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فهذا يعني بالضرورة أن التنظيم لم يُهزم، كما زعمت الولايات المتحدة في عام 2017، وأن ما حدث لم يكن سوى انسحاب تكتيكي لمقاتليه، واستراحة محارب، لإعادة ترتيب الصفوف ومن ثم العودة إلى القتال، وهو ما يعيد إلى الأذهان أيضا ما حدث في أفغانستان عندما اعتقد الأمريكيون أنهم أطاحوا بحركة طالبان وتنظيم «القاعدة» في عام 2002، بينما ما حدث حينها لم يكن سوى «إعادة انتشار» للتنظيم والحركة، ولم يكن ممكنا التعامل معهم إلا عبر قنوات التفاوض والاتفاق، لا بالهزيمة العسكرية المباشرة.
عودة النشاط أخيرا لتنظيم «داعش» في سوريا تعني أن الحرب العسكرية التي انتهت بطرده من مدن شرق سوريا لم تكن تعني أن التنظيم قد انهزم، ولا تعني بالضرورة أنه انكفأ وتراجع، وهذا يعيد التأكيد على أن إنهاء ظاهرة الحركات العقائدية المتطرفة، أو التنظيمات التي تمارس العنف يحتاج بالضرورة إلى آليات غير تقليدية غير الحرب العسكرية التقليدية المباشرة. من يريد القضاء على الفكر المتطرف الذي يجنح نحو العنف فعليه بالضرورة أن يتيح المجال لقوى الاعتدال، وفي حالة «داعش» فالبديل لا يمكن أن يكون إلا في حركات الإسلام المعتدلة، التي تؤمن بالديمقراطية والمشاركة وقبول الآخر، وتريد المشاركة في العمل السياسي، وهي حركات تواجه القمع في عالمنا العربي، ما يعني بالضرورة في نهاية المطاف أن قمع الإسلاميين المعتدلين سيؤدي إلى إنعاش الإسلاميين المتطرفين، الذين يؤمنون بالعنف.
الولايات المتحدة التي حاربت تنظيم «داعش» لسنوات عديدة ماضية، وقبله حاربت تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» الذي كان يتزعمه أبو مصعب الزرقاوي، وقبله حاربت تنظيم «القاعدة» وحركة طالبان، هي ذاتها التي تتحالف مع أنظمة عربية تقمع الحركات الإسلامية المعتدلة وغيرها من القوى السياسية التي تؤمن بالديمقراطية والمشاركة السياسية السلمية، وهذه الأنظمة هي التي تنتج التطرف عندما تنشر الاستبداد والقمع، وتعتقل الآلاف من أبناء شعوبها، ولا تسمح لهم بالمشاركة. خلال العشرين عاما الماضية احتل الأمريكيون العراق وأفغانستان، وقصفوا مواقع لتنظيم «القاعدة» في السودان واليمن ومالي والصومال، ومع ذلك كله لم ينجحوا في القضاء على هذه التنظيمات، بل تطورت نحو مزيد من التطرف ومزيد من العنف، ومارست أشكالا جديدة من العمليات المسلحة، حتى وصلت إلى شكل أكثر خطورة، وهو ما يؤكد أن هذه السياسة كانت بائسة، وفشلت في هزيمة هذا الفكر المتطرف. ما حدث أن تنظيم «القاعدة» لم يهزم في أفغانستان وإنما أعاد إنتاج نفسه، وكذا «داعش» وهذه الحركات نشأت وترعرعت كرد فعل عفوي على القمع والاستبداد والتسلط والظلم، الذي تمارسه بعض الأنظمة العربية ضد شعوبها، في الوقت الذي تتحالف فيه الولايات المتحدة وقوى الغرب مع هذه الأنظمة وتقدم لها الحماية.
التجربة الأمريكية الفاشلة خلال عقدين من الزمان، تؤكد على أن الطريقة الوحيدة للتغلب على التنظيمات المتطرفة وتجفيف منابعها، هي في دعم التحول الديمقراطي في منطقتنا العربية، وإتاحة الفرصة للناس بأن يشاركوا في العملية السياسية، وأن يكونوا ممثلين في صناعة القرار في بلادهم، وكذا إتاحة الفرصة أمام حركات الإسلام السياسي المعتدلة، التي تؤمن بحق الغير في الوجود، وتؤمن بالديمقراطية والمشاركة السياسية السلمية، هذه فقط يمكن أن تكون الضمانة لإنهاء ظاهرة «داعش». أما القوة العسكرية القاهرة فهذه يمكن أن تُغير واقعا على ساحة معركة، لكنها لا تغير أفكارا ومعتقدات يتداولها الناس عبر أدمغتهم وعقولهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى