الرأيذاكرة المدن

حين يتفلسف مسيحي ملحد

صبحي حديدي
منذ تاريخ 11 مارس المنصرم، حين أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تصنيف فيروس كورونا «جائحة» على نطاق عالمي، قذفت مطابع العالم عشرات المؤلفات التي تشرح أعراض الوباء وطرائق الوقاية منه. وهذه اتخذت عناوين منتظَرة تماماً، خاصة في جوانبها التشويقية والتعليمية والإرشادية، على غرار «كرّاس الاستعداد لفيروس كورونا: كيف تحمي بيتك ومدرستك ومكان عملك وجماعتك من الجائحة المميتة»؛ أو «تفشي فيروس كورونا: كشف جميع الأسرار حول جائحة كوفيد ـ 19»، أو «الوجيز في الوقاية من فيروس كورونا»؛ وهذا غيض من فيض بالطبع، وفي نطاق اللغتين الفرنسية والإنجليزية فقط.
النادر، في المقابل، كان الدليل أو الكتيب أو الكراس أو الوجيز الذي يصدره مفكر أو فيلسوف، حتى قرر الناقد الثقافي والفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك حيازة قصب السبق، فأصدر قبل أيام كتابه «جائحة كوفيد ـ 19 تهزّ العالم»، عن منشورات Or Books في نيويورك ولندن. العمل هذا يقع في 114 صفحة من القطع الصغير، ويتألف من مقدمة وخاتمة، وعشرة فصول (إذا صح، حقاً، إطلاق صفة الفصل على بعضها، كالخامس مثلاً الذي يقلّ عن 900 كلمة)؛ تسير عناوينها هكذا: «نحن الآن جميعنا في المركب ذاته»، لماذا نحن متعبون كل الوقت؟»، «نحو عاصفة تامة في أوروبا»، «مرحباً بالصحراء الفيروسية»، «المراحل الخمس للجوائح»، «إيديولوجية الفيروس»، «اهدأ وافزعْ!»، «رقابة وعقاب؟ نعم رجاء!»، «هل قدرنا البربرية بوجه إنساني»، و«الشيوعية أم البربرية، هكذا ببساطة!».
ومنذ السطر الأول في المقدمة، يقتبس جيجيك عبارة يسوع في مخاطبة مريم المجدلية، حين تعرفت عليه بعد قيامته: «لا تلمسيني»؛ لكي يتساءل كيف له، وهو “مسيحي ملحد”، أن يفهم هذه الكلمات التي (تشترط المحبة قبل التلامس في يقينه)، على خلفية الدعوة الشائعة اليوم إلى عدم الملامسة خوفاً من انتقال فيروس كورونا. التفلسف هنا ينتقل إلى طور استبدال اليد المصافِحة عن قُرب، بالعين الناظِرة عن بُعد، حيث «النظرة العميقة في عينّيْ الآخر يمكن أن تكشف أكثر من الملامسة الحميمة». الاقتباس من إنجيل يوحنا يقود جيجيك إلى اقتباس من هيغل، هكذا دفعة واحدة وعلى طريقة انتقالات الفيلسوف السلوفيني المأثورة؛ لأن الفيلسوف الألماني هو القائل: «المحبوب ليس مضاداً لنا، إنه واحد من كياننا ذاته؛ لا نبصر إلا من خلاله، لكنه إلى هذا لم يعد نحن ــ لغز، أو معجزة ــ من طراز لا نستطيع إدراكه». وكذلك، من هيغل أيضاً: «الكائن البشري هو هذا الليل، هذا اللاشيء الفارغ الذي يحتوي على كل شيء ــ الثراء اللامتناهي لتمثيلات عديدة، وصور، لا ينتمي أي منه إليه ــ أو هي ليست حاضرة. ناظر المرء يقع على هذا الليل حينما يحدّق في أعين الكائنات البشرية».
فإذا أفلح القارئ، أو قارئ جيجيك المدرب على أفانين تفلسفه تحديداً، في استيعاب هذه النقلة المباغتة بين يوحنا الرسول وهيغل الفيلسوف؛ فإن مهام القراءة اللاحقة سوف تتطلب الكثير من العسر والمشقة والصبر؛ ثم قد تقتضي (عند قارئ مثلي، بالتأكيد) الإصرار العنيد على ملاحقة جيجيك في البحث عن المعنى الملموس، أو إسقاط كل معنى ملموس، وراء ما يقيمه من روابط، خاصة تلك العشوائية والاعتباطية والتعسفية. ولعل نبوءة جيجيك الكبرى في كراسه هذا، بأن الشيوعية هي مآل الأزمنة ما بعد كوفيد ــ 19، جديرة بأن تستأثر بالمقدار الأكبر من التشكيك والمساءلة، فضلاً عن السخرية والتهكم كما يقر هو نفسه. بعض خيوط محاججته تسير هكذا: «لا يكفي العزل والنجاة ــ فلكي يمكن هذا لا بد من استمرار خدمات عامة أساسية في العمل، مثل الكهرباء والماء، والغذاء والطب (…) لسوف نكون سريعاً في حاجة إلى لائحة بالأشخاص الذين تعافوا وباتوا، حتى بعض الوقت على الأقل، يمتلكون مناعة يمكن تعبئتها للعمل العام العاجل. هذه ليست رؤية شيوعية طوباوية، بل هي شيوعية فرضتها ضرورات النجاة المحضة. إنها للأسف نسخة مما عُرف في الاتحاد السوفييتي سنة 1918 تحت اسم شيوعية الحرب».
وليس الأمر أنّ الأطروحة خفيفة واستخفافية، من وجهة نظر صاحبها في المقام الأول، بل هي بعد «شيوعية الحرب» تتكئ على «شيوعية رأسمالية» إذا جازت هذه الهرطقة اللفظية: واقعة لجوء رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى تأميم خطوط السكك الحديدية، أو تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضع اليد على القطاع الخاص. ثمة، في باطن الجوهر الفكري الذي عوّدنا عليه جيجيك، ذلك الولع برد النقائض إلى خلاصات متوافقة شكلاً، وليس مضموناً بالضرورة؛ كما في تذكيره القارئ بأن «بعض الأمور التقدمية لا يمكن أن يقوم بها إلا محافظ ذو أوراق اعتماد قوموية، كأن يكون الجنرال دوغول هو الوحيد الذي منح الاستقلال للجزائر، أو يكون نكسون هو القادر على إنشاء علاقات مع الصين!
لا تثريب على «مسيحي ملحد» أن يتفلسف حول كورونا، بعجالة واختزال واختصار وابتسار، إلى آخر هذه المترادفات؛ فهو يرحّب عادة بلقب «إلفيس برسلي الفلسفة»، لجهة اقتدائه بالمغني الأمريكي الراحل في الرقص القائم على الاهتزاز والنواس والتذبذب. إصداره الجديد هو، في نهاية المطاف، كراس وجيز عابر يعفي الفلسفة من شر الكر والفر، بين يوحنا وهيغل!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق