
خلفت الفيضانات التي ضربت عددا من المناطق بشمال وغرب المملكة خسائر مادية جسيمة، شملت الممتلكات الخاصة والعمومية، ووضعت القطاعات الحكومية والمجالس والمجتمع أمام تحديات كبيرة تتعلق بسرعة التدخل، وحجم التعويضات ونجاعة إعادة الإعمار، حيث أظهرت هذه الكارثة الطبيعية سلبيات العشوائية في التعمير وهشاشة عدد من البنيات التحتية، وكشفت، في الآن ذاته، حجم الخسائر التي تكبدتها الأسر، خاصة في المناطق القروية والنائية.
وعلى مستوى البنيات التحتية، تضررت الطرق العمومية والقناطر وشبكات الكهرباء والتطهير والماء الصالح للشرب، إضافة إلى مرافق عمومية حيوية من قبيل المؤسسات التعليمية والصحية، ما تسبب في تعطيل حركة السير والخدمات الأساسية. بدورها لم تسلم الممتلكات الفلاحية من الأضرار، حيث غمرت مياه الفيضانات مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وأتلفت محاصيل موسمية وألحقت خسائر كبيرة بالمواشي، وهو ما ينعكس مباشرة على دخل الفلاحين البسطاء واستقرارهم الاجتماعي.
وتفرض هذه الخسائر المادية الجسيمة، بشكل استعجالي، توفير ميزانيات خاصة لتعويض المتضررين، والعمل على صيانة الممتلكات العمومية وإعادة تأهيل الطرق والمنشآت المتضررة في أقصر الآجال الممكنة، لأن مرحلة ما بعد الكارثة لا تقل أهمية عن مرحلة التدخل أثناءها، لأنها ترتبط بعودة الحياة إلى طبيعتها وضمان استمرارية المرافق والخدمات.
ورغم الأهمية البالغة للتبرعات والمبادرات التضامنية، التي تعكس روح التكافل والتضامن الراسخة لدى الشعب المغربي في مواجهة النكبات والكوارث الطبيعية، فإن مسؤولية القطاعات الحكومية والمجالس المنتخبة تبقى ثابتة وذات طابع رسمي. فهذه الجهات مطالبة بتعبئة الموارد المالية الضرورية، وتسريع تنزيل مشاريع الصيانة والإصلاح وضمان نجاعة التدخلات الميدانية بعد انفراج الأجواء وانتهاء نشرات الطقس الإنذارية.
وفي السياق ذاته يجب إيلاء عناية خاصة لمعاناة الطبقات الفقيرة والهشة، خاصة في المناطق القروية النائية التي تعاني أصلا من الهشاشة وضعف البنيات الأساسية. ففك العزلة عن هذه المناطق، ومنحها الأولوية في تقديم المساعدات والدعم، يشكلان مدخلا أساسيا لتحقيق العدالة المجالية التي تم التركيز عليها في الخطب الملكية السامية أكثر من مرة، والحد من تفاقم الفوارق الاجتماعية التي تعمقها مثل هذه الكوارث.
ورغم قساوة الخسائر المادية، تحمل الفيضانات، من زاوية أخرى، مؤشرات جد إيجابية لا يمكن إغفالها أو القفز عليها، باعتبار أن التساقطات الغزيرة ساهمت في ملء السدود وإنعاش الفرشة المائية وتعزيز الثروة المائية الوطنية، بما يضمن احتياطيا بالغ الأهمية وتوديع السنوات العجاف إلى غير رجعة بحول الله.
ويفتح المعطى الإيجابي للتساقطات المطرية باب الأمل أمام تحسين الأمن المائي، والرفع من مؤشرات التنمية فضلا عن تحريك عجلة الاقتصاد، ودعم القطاع الفلاحي وتوفير فرص الشغل.
إن الرهان الآن هو تحويل محنة الفيضانات إلى منحة وفرصة حقيقية لتحقيق التنموية المنشودة، والسرعة في تجاوز الكلفة المادية الثقيلة للتعويض والصيانة، وتعزيز الرؤية المستقبلية بالنسبة للتعامل مع التغيرات المناخية، وحسن الاستثمار في الاحتياطي المائي باعتبار الماء أساس الحياة.





