الافتتاحية

خطاب غير مسؤول

أقل ما يمكن أن يقال عن بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، الذي طالب أعضاء الحزب الذين تم إعلانهم فائزين بمقاعد بالغرفة الثانية بتقديم استقالاتهم من عضوية المجلس، وفق المسطرة القانونية الجاري بها العمل، إنه بلاغ مثير للسخرية قبل أي شيء آخر. فلم يسبق لحزب في العالم أن طالب منتخبيه بالتنازل عن مقاعدهم، لأن حزبا معارضا صوت عليهم، أو لأن الأصوات المحصل عليها لا تتناسب مع قوته.
فالهدف الأساس من أي ترشيح، سواء بالجماعات أو البرلمان أو الغرف، هو بكل بساطة الفوز من أجل ترجمة وتحقيق الأهداف التي تم الترشح على أساسها. فلا أحد يكلف حزبه ونفسه عناء الترشيح من أجل أن يخسر، أو إذا كان متأكدا من خسارته، أو ليربط أعضاءه كما تربط الأبقار من قرونها. والغريب في الأمر أن حزب العدالة والتنمية يحاسب منافسيه على ممارسة حقهم الدستوري في التصويت. ولنفترض أن التصويت كان بتوجيه من أمنائهم العامين، فهل هذا سلوك مُجَرم، أم أنه خارج عن الشرعية القانونية؟
قد تكون لبعض الأمناء العامين تقديرات سياسية وحسابات خاصة في دفع مستشاريهم إلى التصويت لمرشحي العدالة والتنمية، إما تجنبا لمنطق الهيمنة الانتخابية من طرف حزب أو تحالف، أو دعما رمزيا لحزب في طريقه إلى الانقراض والتحلل.
والمؤسف حقا في بلاغ حزب «البيجيدي» أنه يحاول تسويق أطروحة سياسية ملتوية تبرر هزيمته الانتخابية، بالادعاء أن هناك عددا من الجهات غير مرئية نزعت منه مقاعد برلمانية في 8 شتنبر، وتحاول إعادتها في انتخابات 5 أكتوبر. والحقيقة التي يعلمها حزب «المصباح» أن هذا التحليل السياسي موارب يخلط الأمور بين استحقاقين مختلفين، فالاستحقاقات الأولى هي اقتراع مباشر قال فيه الشعب كلمته، أما الانتخابات الثانية فهي خاصة بالناخبين الكبار وشأن حزبي – حزبي، ولا دخل لأي جهة بالموضوع.
إن استغلال حزب العدالة والتنمية بشكل بشع لنتائج انتخابات الكبار، التي لها سياقها السياسي وحساباتها الخاصة، ومحاولة الركوب عليها للمس بصورة استحقاق شفاف ونزيه شهد به الخصوم قبل الأصدقاء، يؤشران أن الحزب الذي قاد التجربة السياسية لعقد كامل، اختار طريق الطعن السياسي في الانتخابات والاصطدام مع الدولة والفاعلين السياسيين، لأنه فقد صدارته الانتخابية وامتيازاته السياسية. لذلك فإن الحزب يتجه إلى عزل نفسه بنفسه، والقضاء على ما تبقى من كبرياء حزب منحه المغاربة مسؤولية تدبير أجهزة المؤسسات، التي يطعن فيها اليوم بكل رعونة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى