الرأي

خطوط التصدع التاريخية

بقلم: خالص جلبي

في عام 395 م تمخضت أحداث التاريخ عن واقعة تركت بصماتها على مسار الجنس البشري وما زالت، فالإمبراطور الروماني (ثيودوسيوس THEODOSIUS) تحت ضغط عاطفة الأبوة أراد أن يفعل خيرا مع أبنائه فيوزع الإمبراطورية بين ولديه، فمنح القسم الغربي إلى ولده الأول (هونوريوس HONORIUS)، (حكم من 395 إلى 423 م)، والقسم الشرقي إلى ولده الثاني (أركاديوس ARCADIUS)، (حكم من 395 إلى 408 م). وبذلك انفلقت الإمبراطورية الرومانية إلى شطرين كبيرين. وبرزت إلى العالم إمبراطورية برأسين مثل الطفلين السياميين، الأول (روما) والثاني (بيزنطة)، الممثلة في (القسطنطينية constantinopolis) مدينة قسطنطين، التي تحولت بعد ذلك بما يزيد على ألف سنة (عام 1453 م) إلى (إسطنبول)، التي هي (إسلام بول) أو (إسلام بوليس ISLAMPOLIS) بدلا من (قسطنطين بوليس (CONSTANTINOPOLIS، فبدلا من مدينة قسطنطين سماها العثمانيون مدينة الإسلام، وكان جواب الغرب هو احتلال غرناطة، آخر معقل إسلامي في شبه الجزيرة الايبيرية، بعد نصف قرن بالضبط (يناير عام 1492 م).
الانقسام بين روما الشرقية (بيزنطة) وروما الغربية لم يلتحم مطلقا، وعند خطوط تماس الحدود حذاء هذا الخندق من التصدع، انفجرت أشرس الحروب وأفظع النزاعات، وخط التماس هذا هو أرض البلقان، وعند خطوط التفجر هذه ولد أيضا النزاع الديني بين الكنيسة الغربية والشرقية تحت خلافات لاهوتية بسيطة، ولكن الصراع كان يخفي في تضاعيفه أكثر من واجهة الصراع الديني، ففي خط الزلزال التاريخي هذا يلتقي الشرق والغرب على ما يبدو، ولذا فإن ظهور القوة العثمانية لاحقا، أدخل خللا كبيرا في التوازن الجغرافي السياسي (الجيوبوليتيك GEOPOLITIC)، فعلى حين غفلة استيقظت قوة جديدة لم ينتبه إليها التاريخ؛ لتشكل قوة عالمية إسلامية يحسب لها ألف حساب، تلكم كانت القوة العثمانية التركية الجديدة، التي وجهت الضربة الأولى في البلقان عام 1389 م، قبل سقوط القسطنطينية
بـ 64 سنة، في معركة (قوص أوه) أو التي عرفت تاريخيا بمعركة (أمسل فيلد AMSELFELD)، في منطقة كوسوفو.

بزوغ فجر العصر العثماني في القرن الخامس عشر
كانت القوة العثمانية تتمدد وتكبر كالعملاق المرعب أمام دول أوروبا المتنازعة المختلفة بدون توقف، فالقرن الخامس عشر كان القرن العثماني بحق، كما كان السادس عشر من حصة الإسبان، ومالت الكفة لصالح الهولنديين في القرن السابع عشر، وكان القرن الثامن عشر هو العصر الفيكتوري ليولد البكر منها أمريكا، وبرزت القوة الجرمانية في التاسع عشر، وختم القرن العشرين الذي نعاصره ببدء اضمحلال القوة العظمى الأمريكية، وإذا كان مطلع الألف الثانية للميلاد من حصة المسلمين، فإن بواكير الألف الثالثة تشير بأصبعها اتجاه الشمس المشرقة، على أرض الساموراي اليابان والصين، فهذا هو جدل الأيام ودورة التاريخ، فكل ما في الكون خاضع لقانون التبدل، من الجبل إلى حيوان الخلد، ومن أبسط الأفكار إلى أعظم الإمبراطوريات، ومن الإنسان إلى الحضارة؛ فهذا هو القانون الإلهي في الوجود «وتلك الأيام نداولها بين الناس».
وفي الوقت الذي مكنت القوة العثمانية أقدامها في آسيا الصغرى، في نهاية القرن الرابع عشر وبداية الخامس عشر، فإنها قامت بتطويق العاصمة البيزنطية من البر الأوروبي، وقبل أن تسقط القسطنطينية بوقت كبير كانت القوة العثمانية قد انساحت في دول أوروبا الشرقية، وتم هذا على مراحل.
كانت الضربة الأولى في معركة (قوص أوه) التي تعرفها أوروبا تحت اسم معركة (أمسل فيلد)، والتي تركت جرحا خالدا في الذاكرة الجماعية الصربية حتى اليوم، ولا يزال عجائز الصرب يروون عن الفتاة التي سقت الملك (لازار LAZAR) قطرات الماء الأخيرة قبل أن يفارق الحياة في أرض المعركة، وصور الملك لازار موجودة تقريبا في بيت كل صربي، ليس هذا فقط بل خلد الصرب اسم لازار وسموا به أولادهم، حتى أننا نحن جراحي الأوعية الدموية نستخدم (فلتر) خاص لمنع تسرب خثرات الأوردة من الطرفين السفليين باتجاه الرئة وإحداث الموت الصاعق بجلطة الرئة الحادة، أقول هذا الفلتر منسوب إلى طبيب اسمه (لازار)، ولكن ما ينتظر الصرب كان أدهى وأمر! فقد خسروا استقلالهم الكامل بعد ذلك في ضربتين أنست الأولى ذهول معركة أمسل فيلد؛ فأما الضربة الثانية فكانت زلزالا مرعبا هز عروش أوروبا كلها، وخالوا أن المد الإسلامي العربي انبعث من جديد، هذه المرة من الشرق وتحت علم الهلال الأحمر العثماني، وليس من الغرب من الامتداد العربي الذي انحسر منذ معركة طليطلة عام 1085 م، عندما سقطت العاصمة التقليدية لشبه الجزيرة الإيبيرية في يد ألفونسو السادس، وتكفل الإسبان بالبقية ولفترة طويلة تحت حروب الاسترداد (LA RECONQUISTA)؛ فلم يكد الغرب يتنفس الصعداء من زاوية مضيق جبل طارق حتى بدت نذر الخطر من مضيق البوسفور، ويبدو أن هذا يخضع لقانون (صدام الحضارات) كل ألف سنة كما اكتشف ذلك المؤرخ توينبي، فكانت رسالة العثمانيين في أمسل فيلد هي الجواب عن الرسالة التي وجهها الصليبيون في القدس قبل ذلك، والتي كانت بدورها جواب الاختراق العربي لجبال البرانس في الحدود الفرنسية الإسبانية في معركة بواتيي (بلاط الشهداء).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى