الرأي

دخان كثيف من «الكيف»

يونس جنوحي

البلاغ الذي أصدرته الخارجية الإسبانية أول أمس لا يمكن إلا أن يُعتبر تراجعا خطيرا عن السياسات التي أقدمت عليها إسبانيا في ملف الصحراء المغربية خلال العامين الماضين. إذ بعد التخلي عن توفير الحماية للانفصاليين وبداية التعامل معهم باعتبارهم خارجين على القانون وليسوا مواطني بلد مُحتل، ها هي الحكومة الإسبانية تهدم كل ما أسست له، في لحظة انفعال.
لغة البلاغ كانت انفعالية وتعج بالتعليقات بدل الإخبار أو تقديم معطيات في الموضوع. وهذا أمر لا يليق بوزارة يعمل فيها موظفون ومستشارون وكتاب يدبجون للوزارة مواقفها التي يجب أن تكون مدروسة.
ولعل من غريب الصدف أن يكون ماي، من السنة الماضية، موعدا لقرار تاريخي أقدمت عليه إسبانيا، ويتعلق بإصدار قانون يمنع رفع أعلام غير معترف بها فوق التراب الإسباني، بما فيها علم البوليساريو. وها نحن نرى كيف أن نفس الحكومة التي أصدرت القانون تستقبل زعيم البوليساريو فوق ترابها بطريقة مشبوهة أثارت سخرية العالم من المخابرات الإسبانية والجزائرية على حد سواء.
قبل هذه الأزمة، أقدمت الحكومة الإسبانية على قرار خطير كان الهدف منه فرض المزيد من الشروط على الصادرات المغربية. إذ بعد ملاءمة المواد الفلاحية المغربية لكل شروط الاتحاد الأوربي، لم يجد هؤلاء أمامهم سوى التدقيق في أوراق الشركات التي تقف وراء تصدير إنتاج مئات الضيعات المغربية إلى السوق الأوربية، وطالبت في مذكرة استعجالية بالتدقيق في لوائح التعويضات الاجتماعية لعمال هذه الشركات المغربية قبل الموافقة على استلام منتوجاتها.
وهذه الخطوة ليست حبا في سواد عيون العمال المغاربة بقدر ما كانت مجرد عرقلة إضافية الغرض منها وضع مزيد من الشروط أمام المنتوج المغربي الذي ينافس بقوة، حسب لغة الأرقام، في القارة الأوربية.
مسألة أخرى لا بد أنها أثارت حفيظة الإسبان، وتتعلق بتقنين زراعة القنب الهندي في شمال المغرب، واستعماله «استعمالات مشروعة».
وهذه العبارة الأخيرة لا يحب أعضاء الحزب الحاكم إثارتها لأنها تسد باب المزايدة السياسية على حراس الأخلاق المفترضين. إذ إن التصويت الذي جرى قبل يومين على القانون المتعلق بالاستعمالات الدوائية والصناعية لنبتة «الكيف»، كشف أن الحزب الحاكم يسير برأسين. إذ بعد إصدار مشروع القانون، تبرأ منه الحزب بطريقة سوريالية دون تقديم توضيحات للناخبين. والمزايدة الوحيدة على القانون تمثلت في أضرار التدخين وهدم قيم الأسر المغربية، كما لو أن الخمور التي تشكل عائداتها مصدر تمويل كبير للميزانية التي يناقشها الحزب الحاكم، تُستعمل لعلاج داء المفاصل.
الإسبان قلقون بشأن تقنين استعمالات القنب الهندي لأن الأمر يعني مستقبلا غياب مشجب لكي تعلق عليه الحكومة الإسبانية حملاتها الأمنية ومكافحتها للهجرة غير النظامية للمرشحين من القارة الإفريقية. لأن الأباطرة الحقيقيين للمخدرات يحملون جنسيات أوربية، أما جل المغاربة الذين يشتغلون في هذا القطاع فليسوا سوى فلاحين بسطاء، هم اليوم مستعدون لتوجيه إنتاجهم السنوي من نبتة الكيف لأغراض صناعية بمجرد وضع الحكومة لصيغة تعامل مع محاصيلهم.
والحقيقة أن الذين تبدو عليهم علامات استهلاك «الكيف» هم هؤلاء الذين يحاربون مشروع تقنين استعماله طبيا. إذ في الوقت الذي يعتبرون هذا التقنين خطرا على المجتمع، لا يترددون في استخلاص ضرائب الخمور، بل ويلجؤون إلى رفع الضرائب على السجائر لتحصيل تعويضات إضافية لسد العجز في ميزانيات القطاعات التي يشرفون عليها.
ثم يأتي بعدهم هؤلاء الذين يكتبون لوزارة الخارجية الإسبانية بلاغاتها الرسمية بشأن الأزمة مع المغرب. أليسوا هم من تستروا على دخول إبراهيم غالي سرا إلى بلادهم رغم أنه موضوع اتهام في قضايا حقوق الإنسان والتعذيب والاتجار في البشر؟ بل الأمر المحير هو كيف يسمحون لزعيم تنظيم تعتبره تقارير أمنية للاتحاد الأوربي مشتبها في تمويله للإرهاب ورصدت اتصالاته مع الجماعات المسلحة التي هرّبت مقاتلين من جنوب الصحراء إلى سوريا في 2013 للقتال؟
أليست هذه «الدوخة» غير طبيعية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى