الرئيسيةالملف القانوني

دور المرأة العدل في النضال من أجل تحقيق مبدأ المناصفة

بقلم: نور الدين مصلوحي عدل موثق وخريج ماستر القانون والممارسة القضائية بالرباط
إن الإعلان الملكي السامي عن ولوج المرأة لممارسة مهنة التوثيق العدلي، يشكل بحق لحظة تاريخية مهمة تكرس الخيار الديمقراطي الحداثي الذي اختارته المملكة، سيما في مجال حقوق المرأة ورفع كل أشكال التمييز والحيف عنها، إذ المرأة المغربية اليوم تتقلد أسمى المناصب في كل المجالات، بما في ذلك الإدارة والجيش والأمن والتعليم والبحث العلمي والطب والهندسة والدبلوماسية، وقد وضع هذا القرار حدا لحالة استثناء كان قطاع التوثيق العدلي يمثلها داخل منظومة العدل، من خلال سد بابه في وجه النساء على الرغم من ممارستهن لمهنة القضاء، بحيث بلغن منصب رئيسة محكمة، كما أنهن يمارسن مهنة التوثيق منذ سنوات. وحتى في الحقل الديني فإنهن أصبحن يشكلن جزءا لا يتجزأ من منظومة المجالس العلمية، ويشتغلن كواعظات ومرشدات في المساجد.
وباستقراء القانون 16.03 المنظم لخطة العدالة، يتبين أنه لا وجود لأي مقتضى ينص صراحة على قصر مهنة العدالة على الذكور فقط دون الإناث، أو جعل الذكورة شرطا لولوج هذه المهنة، فالصيغة التي جاءت بها المادة 04 من القانون المذكور هي الصيغة المعهودة في قوانين المهن القضائية الأخرى، كقانون مهنة المحاماة أو مهنة المفوضين القضائيين أو قانون مهنة التوثيق، والتي يقبل فيها ترشيح المرأة.
أما على المستوى الشرعي، فإن فقهاء الشريعة، ومنهم المالكية الذين تطرقوا في كتاباتهم إلى شروط الكاتب بالعدل أو الموثق بصفة عامة، نصوا على شروط متعددة، ليس من ضمنها شرط الذكورة، فقد جاء في تبصرة الحكام لابن فرحون: ينبغي للكاتب أن يكون فيه من الأوصاف ما نذكره، وهو أن يكون حسن الكتابة، قليل اللحن، عالما بالأمور الشرعية، عارفا بما يحتاج إليه من الحساب والقسم الشرعية، متحليا بالأمانة، سالكا طرق الديانة والعدالة، داخلا في سلك الفضلاء، ماشيا على نهج العلماء الأجلاء.
وفي تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام لابن المناصف ما قوله: «لا ينبغي أن ينتصب للكتابة إلا العلماء العدول»، كما قال مالك رحمه الله تعالى: «لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل مأمون في نفسه على ما يكتبه، لقوله تعالى: «وليكتب بينكم كاتب بالعدل» وأما من لا يحسن وجوه الكتابة ولا يقف على فقه الوثيقة، فلا ينبغي أن يمكن لذلك، لكي لا يفسد على الناس كثيرا من معاملاتهم».
فإذن لم يشترط فقهاء الشريعة ومنهم فقهاء المذهب المالكي شرط الذكورة في الموثق، باعتباره كاتبا للوثائق بين الناس؛ وكونهم لم يفعلوا ذلك، دل على أن الشرع أو الفقه الإسلامي ترك الباب مفتوحا لإمكانية أن تتولى المرأة مهام الكتابة والتوثيق دون إشكال.
وإذا كان دستور المملكة في فصله 19 يقر مبدأ مساواة المرأة للرجل في التمتع بمجموعة من الحقوق، منها الاقتصادية «الحق في الشغل» والاجتماعية، ويؤكد على سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، فإن المرأة العدل الموثقة مدعوة للانخراط في هذا الورش الدولي والوطني الكبير، وذلك يتحقق بضرورة ارتباطها الفكري بالمواثيق والاتفاقيات الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين المتعلقين بالحقوق المدنية والسياسية، وبالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذا الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ضد المرأة.
والنساء العدول الموثقات يستحسن لهن أن يكن منضويات تحت لواء جمعية مهنية، بعد ممارستهن للمهنة بشكل فعلي، لتشكيل قوة ضغط على صناع القرار، للظفر بالحقوق والحريات الدستورية والقانونية، وكذا الانضمام إلى جمعيات نسائية والجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، وهذا سيمكن المرأة العدل الموثقة من إيصال صوتها في إطار الديمقراطية التشاركية، بإعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها «الفصل 12 من الدستور»، والاستفادة من مكنة العرائض «الفصل 139 من الدستور».
ولا يمكن تناسي دورها على وسائل التواصل الاجتماعي الذي يجب أن يتعزز، إذ هي وعلى غرار شقيقها الرجل تتمتع بحقوق دستورية عديدة، منها حق الفكر والرأي والتعبير والنشر «الفصل 25 من الدستور»، كما أنها في وضع متساو مع الرجل في ممارسة حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي، «الفصل 29 من الدستور».

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق